(( ثم نرجع إلى الكلام على قوله في السؤال: إنها بدعة. فنقول: وجه كونها بدعة: أن الزيارة على وجه الانتفاع بالميت لم يرد عنه صلى الله عليه وسلم، وإنما ورد عنه: الزيارة على وجه الرحمة والاستغفار، والبدعة: ما أحدث على غير مثال سابق في الشرع. ثم لا يكفي ذلك في كونها مذمومة حتى يشهد الشرع بقبحها؛ فإن من البدع على هذا التفسير ما شهد الشرع بحسنها؛ فلا تكون مذمومة، ويبقى الكلام مع هذا القائل في المتكلم فيه من أي القسمين هو. وقد تقدم ما فيه كفاية في ذلك ) ).
(( ثم إن النفع بغيره صلى الله عليه وسلم متعذر مع وجوده، ولا تتصور البركة - أيضا - من غيره عند فقد [105] شخصه، وذلك محال لمن اعتبره، ومن رامه من غيره؛ فذلك لقصور نظره وجهل جلالة قدره، وعلو منصبه صلى الله عليه وسلم عند ربه، فضلا عن حقيقته الباطنة السارية في جميع العوالم. فمن تحقق هذا؛ لم ير النفع إلا منه وبه، ومن لم يصل إليه؛ رأى النفع من غيره. وهو بعيد ) ).
[الخلاف الواقع في زيارة القبور قولي فقط] :
(( فعلى هذا: الخلاف الواقع في الزيارة خلاف قولي لمن اعتبره، وسنبينه إن شاء الله؛ فنقول: قول من قال: لا ينتفع إلا بقبره. واقتصر بالزيارة عليه صلى الله عليه وسلم؛ مرجوح ومخالف للجمهور كما تقدم. وعلى كل قول: الانتفاع به صلى الله عليه وسلم حاصل، ولا يخفى على واصل، وشهد لذلك النقل الصحيح، والكشف الصريح ) ):
(( أما النقل: فقوله تعالى:] قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى [. [الشورى:23] . على القول بأن القرابة: أحباؤه. وثبت في صحيح الأحاديث كثير منه ) ).