فأجاب بقوله: (( الحيرة والتحير لغة: الهيمان من تفرق النظر في شيء وامتناعه بحيث لا يجد له سبيلا، وما يقتضيه المقام التوحيدي هو: هيمان ينزل بالناظر لعجزه عن معرفة كنه الجلال، ونعوت الكمال؛ فلا يجد لإدراك الكنه سبيلا؛ لامتناع إدراك الحقيقة على الصحيح، وامتناع الإحاطة بها. قال تعالى:] ولا يحيطون به علما [. [طه: 110] . والناس في مواردهم على حسب مشاربهم مواجد مختلفات، وفي توحيدهم معارج متعددات: إيماني وبرهاني وإحساني، وعلى ترتيب العوالم الثلاثة: فعلا وصفة وذاتا. فمشرب العبد على حسب وسعه وسلامة ذهنه كما سبق في العلم الأزلي، عامة وخاصة، وخاصة الخاصة، [109] ] قد علم كل أناس مشربهم [. [البقرة: 60] ،] كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك [. [الإسراء: 20] . ) ).
(( فالعامة وقفوا مع الدليل خلف الباب؛ فأعطوا نصيبهم من وراء حجاب. فحيرتهم: عجزهم عن الإحاطة الممنوعة شرعا، إذ العقول معقولة مهما رامت أو طلبت ما ليس لها طلبه؛ زجرها زاجر الشرع، واكتنفها وارد المنع؛ فرجعت القهقرا، ونكصت إلى ورا؛ فانحطت عن مدارك الوصول، فهي مترددة بين الرد والقبول، متفاوتة الفقد والحصول، فحظها ونصيبها من ربها:
وابك الأحبة حسرة وتشوقا
عن أهلها أو داعيا أو مشفقا
فارقت من تهوى فعز الملتقى قف بالديار فهذه آثارهم
كم قد وقفت بربعها مستخبرا
فأجابني داعي الغرام تحرقا
(( وتوحيد الخاصة: يقين في القلب عن علم ضروري، يرد عن مكاشفات، ولها ثمرات ومنازلات تدرك بالتحلي والمصافاة، فحيرتهم من بساط مقامهم، منازلة هيمان ينزل عن بديهة، يرددهم بين اليأس والطمع في الوصول إلى مطلوبهم. وكمال مرغوبهم:
وتقطعني عنه سيوف قواطع
ولكن لي قلبا دهته المطامع ويطمعني فيه عذوبة وصله
وأعلم أن النجم دون وصاله