(( لا يطمعهم الوصل فيدلجون، ولا يؤيسهم عن الطلب فيستريحون. قد كشف لهم تعالى عن أوصاف جماله، ونعوت كماله؛ فهم سكارى متحيرون، ما بين طيش وعيش ولهون. فإن تجلى لهم؛ طاشوا، وإن حجبهم؛ عاشوا. قد أخذهم عنهم؛ فهم بلاهم. فأفناهم عنهم به له فيه؛ فهيمهم، وأشهدهم منه إليه عليه؛ فأحياهم. قد نظروا به إليه؛ فتحققوا أن لا دليل عليه تعالى سواه. وعرفوا أن لا وصول لشيء من معارفهم، إلا بتأييد وتخصيص من موجدهم:
دليلا لمن قد تحير فيك
وأنت الدليل لمن يرتجيك تحيرتُ فيك فخذ سيدي
ورُمْتُ الوصول فلم أهتد
(( وتوحيد خاصة الخاصة: عن مشاهدة ووجدان منحوا حق اليقين، وأعلى مراتب العارفين، فحيرتهم كما يليق بهم، وعلى قدر مواجدهم. هو: هيمان من تحقيق نظرهم في مشاهدة كمال محبوبهم، كما يتحير البصر من مشاهدة نور الشمس تقريبا، وهذه الحيرة هي من مصادمات الحب، ومواجد القرب، يتوالى شربهم عليهم؛ فهم في حضرة الجمع قاطنون، وبه إليه ناظرون، وبه فيه ذاهبون. قد غابوا عن التوحيد في التوحيد بالتوحيد؛ [110] لاستهلاكهم في مشهدهم، وبقائهم بمحبوبهم على ساق التجريد، وقدم التفريد. قد أهلهم الله لحضرته، وحلاهم بمعرفته، وأقامهم مقام قربه ومشاهدته، تحفهم أحوال سنية، وآداب سَمِيَّة؛ فعندها يعترفون أنهم عن مداركها قاصرون، فيتحقق العبد أنه - وإن بلغ أقصى الغايات، وأنهى المنازل - فهو عن ذروة أعلاها، وغاية أقصاها؛ منحط نازل. لأن جميع الطاعات، وأنواع القربات، في مقابلة حقوق الهيبة جنايات، وكل أنواع المعارف الحاصلة للخلق، في مقابلة كبريائه وعظيم جلاله؛ نقص وتقصير، ومنة منه تعالى وفضل، وبالنسبة لكماله وعلو جلاله قصور وجهل. فالعبد في أي مقام كان من المقامات - وإن كان عاليا جدا - إذا قوبل بجلاله صار عين التقصير] وما قدروا الله حق قدره [. [الأنعام: 91] :
وأشهدني ذاك الجمال المعظما
أراه بعيني جهرة لا توهما
بمنفصل عني وحاشاه منهما