وقد اختلف فيما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس؛ فأما الفلكيون فهو عندهم من الليل ولا إشكال. وأما علماء الشرع: فالأكثر أنه من النهار. وقيل: إنه من الليل. وقيل: إنه ليس بليل ولا نهار.
وكان الشيخ أبو المحاسن - رضي الله عنه - يقول: (( إن النبي صلى الله عليه وسلم ولد مقارنا للفجر ) ). فأما الدليل خاص؛ لم نقف عليه أو الجمع بين الأدلة. وتوسط للتجوز أو الكشف والله أعلم. وهو على كل حال مناسب؛ فإنه صلى الله عليه وسلم ماح لظلام الشرك؛ فيكون ماحيا للظلام حسا ومعنى.
وكيف لا؟!. وهو صلى الله عليه وسلم الفجر الأعظم، ومن نوره تستمد أنوار العوالم بأسرها. وقد وصفه خالقه بأنه: سراج منير [1] . فهو الفجر الحقيقي صلى الله عليه وسلم.
وقد كنا يوما نتكلم في وقت ميلاده صلى الله عليه وسلم، وذكرت القول بأنه كان في الليل. فاستعظم ذلك بعض الحاضرين ممن تقدم له ذوق؛ وقال: (( كيف يوجد النور الأعظم، وتبقى من الظلام بقية؟ ) ). فذكرت له القول بمقارنة الفجر؛ فكان طلوعه وطلوع الفجر سواء. فكاد يطير سرورا به واستحسانا وطربا.
وكان الشيخ أبو المحاسن يرخص في السماع للمولد الشريف؛ فيجتمع لذلك عنده خلق عظيم، ويحضر أهل السماع الذين يحفظون مقطعات الشيخ أبي الحسن الششتري وما يجري مجراها، ويحكمون صناعة تلحينها دون آلة، ويحكمون طرق تلحين الميلاديات؛ المعربة: الموزونة بأوزان الشعر العربي. وما يجري مجراه. والملحونة: الموزونة على عروض البلد وغيره على العادة في ذلك بحضرة فاس. ويشرعون في ذلك بعد صلاة الصبح في أول وقتها؛ فيبدؤون بالميلاديات، فإذا قضوا منها وطرا؛ أخذوا في الششتريات وما يجري مجراها إلى قرب الزوال.
وكان يرى أنه أعظم أفراح المسلمين وأعيادهم التي للسماع فيها أصل في الشرع أصيل كما تقرر في محله.
(1) إشارة إلى قوله تعالى: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله وسراجا منيرا} . [الأحزاب: 45 - 46] .