وعند انقراض دولة الأدارسة، وحدوث المجزرة الكبيرة لهم بقلعة حجر النسر؛ فر من تبقى منهم إلى شواهق الجبال ووعرها؛ كزواوة وغمارة والسوس والأوراس ... إلخ، وكونوا إمارات ومشيخات شبيهة بنظام الإقطاع في أوروبا بالعصور الوسطى، غير أنها خلت من الظلم والاستبداد الذي عرفه نظام الإقطاع في أوروبا، وامتازت عوضه بالعلم والتعليم والجهاد في سبيل الله تعالى، والإصلاح الديني والأخلاقي ... الأمر الذي كان له عظيم الأثر في التاريخ المغربي فيما بعد، بل والتاريخ الإسلامي بعامة. خاصة وأن الأشراف الأدارسة كانوا وراء تأسيس دولة المرابطين [1] ، ثم تأسيس دولة الموحدين [2] ، ثمة تأسيس دولة المرينيين التي قامت على العصبية لآل البيت كما لا يخفى.
وكانت هذه الإمارات، أو المدارس العلمية، أو الأربطة، أو الثكنات الإصلاحية والدعوية، أو الزوايا ... هي الجذور الأولى لنظام الطرقية في المغرب الأقصى، بل وشمال إفريقيا. وما مرت مائة وخمسون عاما على سقوط دولة الأدارسة - مع استثناء دولتهم الثانية (الحمودية) في الأندلس، ودولتهم في صقلية - حتى ظهرت مدارس كبرى في مختلف قبائل البربر وشواهق الجبال، حفظ لنا التاريخ الشحيح أسماء بعض أربابها، والبعض الآخر نسب إلى قبيلة من قبائل البربر وأغفل المؤرخون نسبه الإدريسي [3] ، والأغلب منهم عفى عن ذكره الإهمال.
(1) عن طريق الإمام عبد الله بن ياسين الجزولي؛ تلميذ الإمام وجاج بن زلو الإدريسي.
(2) وقد أشار لذلك الإمام المقري في"كنوز الأسرار"؛ فليراجع.
(3) مثلا: آل أمغار؛ اكتفى صاحب"التشوف"بنسبتهم إلى صنهاجة دون التعريج على نسبهم الشريف، وهو من أصح الأنساب. انظر"سلوة الأنفاس" (2: 218) .