وكانت للشيخ أبي عبد الله وجاهة عظيمة عند الأمير بالقصر أبي زكرياء يحيى بن السلطان أبي عبد الله محمد الملقب بالبرتغالي [138] ابن السلطان أبي عبد الله محمد الشيخ الوطاسي المريني، وهو أخو ملك فاس إذ ذاك وما إليها: السلطان أبي العباس أحمد آخر ملوكهم. فانتفع بوجاهته خلق كثيرون، ولم يسامح نفسه بنيل شيء من الدنيا بسبب ذلك الجاه، إلى أن أسر الأمير أبو زكرياء في وقعة (وادي دَرْنا) للشرفاء على بني وطاس في رجب سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة، ومات في تلك الليالي الغريبة غما وأسفا رحمه الله.
ثم لما استولى الشرفاء على المغرب، وتداول القصر ولا تهم؛ كان وافر الجاه عندهم، محترم الجانب، منظورا إليه بعين الإجلال والتعظيم، موقر الحاشية، مقبول الشفاعة.
[ليس من ضرورة الزهد قلة الإنفاق على النفس] :
وكان - رحمه الله - واسع الإنفاق، رفيع الثياب، كثير الطيب، فربما أنكر ذلك بعض الناس زعما أنه سرف، وأنه ليس من شأن أهل الطريقة، وليس كذلك: فإنه ليس سرفا بالنسبة إلى ماله وحاله، فيكون من قبيل المباح {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} . [الأعراف: 32] . وقد يترجح في حق من يصلح قلبه به. وقد أخرج الترمذي والحاكم عن عبد الله ابن عمرو بن العاصي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ) )، وأخرج ابن أبي الدنيا عن علي بن زيد بن جذعان مرسلا: (( إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده في مأكله ومشربه ) ) [1] .
(1) رواه الترمذي في سننه (2744) ، والإمام أحمد (7759) عن أبي هريرة رضي الله عنه.