ومما يتصل بهذا المعنى: ما ذكره في"المدارك"أن بعض أصحاب القاضي أبي بكر بن زرب وجد عند القاضي بردة من درمك بلحم خروف، حسنة الصنعة، وبعدها جنب خروف مشوي برغيف درمك، وقال له القاضي: (( هذا طعامي؛ لونان في وقت لا أزيد عليهما، ولا سرف في لونين ) ). فقال له صاحبه: (( أيها القاضي؛ أمن أصل تقوله؟ ) ). قال: (( نعم ) )، ورفع فيه حديثا لم يذكره الراوي للحكاية.
وأما الطيب وحسن الثياب؛ فمعروف لا نطيل به، مع أن الشيخ أبا عبد الله كان - كما تقدم - يخرج في صدقته مثل ما يخرج في نفقته.
وكان - رحمه الله - كثير التهجد، له أوراد كثيرة في الليل، ولما صحب ولده الشيخ أبا زيد المجذوب؛ جرى في نفسه حديث من إنكار ذلك؛ فوقع له فتور في ورده من الليل؛ فرأى أن ذلك من الخاطر الذي خطر له، فاستغفر منه، وأهدى إلى الشيخ أبي زيد أربع بقرات رغائث [1] ، فعاد إلى حاله.
وهذا ينظر إلى ما وقع لأستاذ الطائفة أبي القاسم الجنيد؛ فقد حكى الأستاذ أبو القاسم القشيري عنه أنه قال: (( كنت جالسا في مسجد الشونيزية أنتظر جنازة أصلي عليها، وأهل بغداد على طبقاتهم جلوس ينتظرون الجنازة، فرأيت فقيرا عليه أثر النسك يسأل الناس؛ فقلت في نفسي: لو عمل هذا عملا يصون به نفسه كان أجمل به!. فلما انصرفت إلى منزلي - وكان لي شيء من الورد بالليل؛ حتى البكاء والصلاة وغير ذلك - فثقل علي جميع أورادي؛ فسهرت وأنا قاعد؛ فغلبتني عيناي؛ فرأيت ذلك الفقير جاءوا به علي صوان ممدودا، وقالوا لي: كل لحمه فقد اغتبته!، وكشف لي عن الحال؛ فقلت: ما اغتبته؛ إنما قلت في نفسي شيئا!. فقيل لي: ما أنت ممن يرضى منه بمثله؛ اذهب فاستحلََّه!. فأصبحت، ولم أزل أتردد حتى رأيته في موضع يلتقط من الماء أوراقا من البقل مما تساقط من غسل البقل؛ فسلمت عليه، فقال: تعود يا أبا القاسم؟!. فقلت: لا أعود!. فقال: غفر الله لنا ولك ) ).
(1) أي: مرضعات.