وتوفي الشيخ أبو عبد الله في جمادى الثانية سنة أربع وسبعين وتسعمائة، ودفن في الزاوية داخل القصر الكبير بقرب والده رحمه الله وسقى تربتهم. [140] وخلف من الولد أربعة؛ وهم: الشيخ أبو المحاسن؛ وهو بكر أبيه. والشيخ أبو محمد عبد الرحمن، والحاج أبو عبد الله محمد الأكبر، وأبو عبد الله محمد الأصغر.
[ترجمة الحاج محمد (الأكبر) بن محمد الفاسي الفهري]
فأما الحاج أبو عبد الله محمد؛ فكان رجلا فاضلا، جزلا أبيَّ النفس، رفيع الهمة، متحققا بالرياسة، كثير الحاشية، موسعا عليه في دنياه، كثير المعروف. معروفا بالجود والرفق بالضعفاء، له شركاء في التجر، وعمال يعملون بماله. وكان مجدودا محفوظا، وله ماشية كثيرة من بقر وغنم، وفلاحة في بلاد الهبط. وذكر بعض أصحابنا أنه كان معه في سفر، فجلس معه مرة خارج الخباء، وإذا برجل دخل الخباء، فالتفت أبو عبد الله؛ فرآه يلتمس دراهم هنالك. فتغافل عنه، وصار يسأل عن أشياء لا حاجة له بها، إلى أن قضى الداخل حاجته، وكان من معارفه.
ولقد كان مرة أخرى في جماعة وقوفا في غرض، وفي مكتوبه [1] عدة دنانير من الذهب، وقد عرف ذلك بعض أصحابه الحاضرين من ذوي الهيئات؛ فحاذاه، وأدخل يده في مكتوبه ليخرج ما فيه أو بعضه، فأحس به؛ فنظر إليه وأعرض عنه سريعا، حتى أخذ ما أحب، ثم بعد ذلك قال له بعض الحاضرين: (( قد رأيت فلانا فعل ما فعل، ورأيتك نظرت إليه ثم أعرضت عنه، فعجبت لذلك! ) ).فقال له: (( لا عجب في ذلك، ما قَدْر ما أخذ في جَنْبِ سِتْرِهِ والإبقاء عليه؟، وما عند الله خير وأبقى! ) ).
(1) جيبه.