وولد أبو الحجاج بفاس، ونشأ بها، ثم مات أبوه وعمه وأولادهما في طاعون كان بها سنة سبع وثمانين وثمانمائة، وبقي هو وأخت له أكبر منه مع أمهما أم الفتح بنت عبد الوهاب الكناني، وتركه أبوه في الكُتَّاب يقرأ؛ فقرأ ما يسر له بحسب سنه. وتيسر أمره. ثم ماتت أمه، وتزوجت أخته، ولقيته سنون شديدة، وصرفه الزمان عن القراءة وأقبل على التكسب.
ثم تفرغ للتجارة بما بقي بيده مما اجتمع له من تراث [1] أهله، فتردد في سبيل التجارة على القصر الكبير، وكان القصر إذ ذاك مقصدا للتجارة، وسوقا [142] تجلب إليه بضائع العدوتين وسلعها، إذ كان ثغرا بين بلاد المسلمين وبلاد النصارى - دمرهم الله - تحط به رحال تجار المسلمين من آفاق المغرب، وتجار الحربيين من أصيلا وطنجة والقصر الصغير وسبتة، ولأنه كان محل عناية سلطان المغرب إذ ذاك: الشيخ ابن أبي زكرياء الوطاسي؛ فإن القصر قاعدة بلاد الهبط التي كانت موقع شرارة السلطان المذكور ومشب ناره، وموشج عصبيته، مع مجاورته لبلاد الحرب؛ فكان نظره مصروفا إليه، واختصاصه موقوفا عليه، وتقبل بنوه بعده مذهبه فيه.
[سبب تلقيبه باسم الفاسي] :
ولورود أبي الحجاج على القصر من فاس - وطنه الثاني - غلب عليه اسم: الفاسي، فجرى عليه، وعرف به، وجرى كذلك على بنيه بعده، كما جرت كثيرا النسبة إلى الأوطان، كما ذكره المحدثون قالوا: ولا سيما في المتأخرين. وهو نوع من أنواع علوم الحديث، وبه ختم ابن الصلاح ومن تبعه في الترتيب كتابه، وجعله الرشاطي والسمعاني وغيرهما من مقاصد كتبهم.
ولما وقعت المعرفة والشهرة بهذا؛ تنوسي ما كان قبله، لأن المقصود إنما هو: ما يحصل به التعارف.
[أسماء بعض ممن لقب بالفاسي من الأعلام] :
(1) التراث: المال.