كان أبو عبد الله محمد أكبر وُلْد الشيخ أبي المحاسن. ولد في القصر سنة تسع وخمسين وتسعمائة، ونشأ به وقرأ القرآن، وطلب العلم هنالك، وحضر مجالس أبيه، ثم رحل إلى مكناسة وفاس، وقرأ على مشيختهما، فاستفاد وحصل، وأفاد وعلم وانتفع به جماعة من الطلبة.
وكان الغالب عليه: علم القرآن والفقه. وكان خيرا دينا فاضلا رقيق القلب، كثير الخشوع، سريع العبرة، سمحا جوادا، كريم النفس، مستطاب الحديث، حسن التلاوة، شجي الصوت، لا يكاد يسمع أحد تلاوته إلا بكى ورق قلبه.
سكن بفاس إلى أن توفي في سنة ثمان وسبعين وتسعمائة، ورغب بعض السادة الأشراف في دفنه في مقبرتهم في الكَغَّادين داخل باب الفتوح؛ فدفن هنالك. وذلك في حياة والده - رضي الله عنهم.
الفصل الخامس
في ذكر ولده الشيخ أبي الحسن علي رضي الله عنهما [1]
كان أبو الحسن من العلماء العاملين، وعباد الله الصالحين، والسالكين سَنَنَ المهتدين، ومن أهل المعرفة واليقين، والمقتدى بهم في العلم والدين، مؤثرا للخمول والبعد من الناس، والاقتصاد في العيش، والميل للأيسر، والبراءة من التكلف، مقتصرا من الدنيا على ما لا بد منه، غير ناظر إلى زهرتها، منقبضا عن أهلها، متنزها عن الخوض فيما هم فيه من أمر دنياهم، لا يلابسهم إلا حيث لا مندوحة، متعززا بالله تعالى عليهم، [150] مع لين الجانب، وخفض الجناح، وطيب الأخلاق، وحسن السمت، ومؤالفة المسلمين والضعفاء، وقرب المتناول لطلاب العلم وقصاد الآخرة.
(1) انظر ترجمته في"نشر المثاني" (1249 موسوعة) ، و"عناية أولي المجد" (24) ، و"زهر الأس" (2: 71) ، و"شجرة النور" (1: 297) وغيرها.