وبعد خروجنا من فاس بقريب؛ وهو: يوم الجمعة الحادي والعشرين من ربيع الأول؛ ثار بفاس أبو الربيع سليمان بن محمد الزرهوني. وعضده محمد المربوع اللمطي، وتبعهما أهل فاس بأجمعهم، وأخرجوا من كان من جيش السلطان، وقتلوا كثيرا منهم، وجرت في ذلك خطوب آلت بعد سنين إلى انقطاع الملك بفاس، وبقي الناس فوضى إلى الآن، والله مالك الملك يوتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده [1] .
ومن الغرائب: أني يوم خروجنا من فاس لقيت ببلاد لمطة كبير بني عامر وفقيرهم [2] ، وكان صديقا لنا؛ فقال لي: (( نِعْمَ ما فعلتم، من الآن إلى نحو شهر يتزلزل هذا الملك تزلزلا لا ينجبر بعده أبدا! ) ). فكانت الثورة المذكورة بعد شهر وثلاثة أيام، ثم غدر المربوع سليمان؛ فقتله يوم السبت رابع صفر سنة ست وعشرين وألف، ثم قتل المربوع بعد ذلك في أخبار لا حاجة لنا في ذكرها، وأقمنا حيث نزلنا بنجاة من الهياط والمياط الذي كان بفاس وما إليها إلى أوائل ربيع الثاني سنة إحدى وعشرين وألف.
[وفاة الحافظ أبي العباس الفاسي] :
فمرض شيخنا أبو العباس بالحُمَّى إلى أن توفي - رضي الله عنه - بين الظهر والعصر من يوم الأربعاء [155] الحادي والعشرين من ربيع الثاني، سنة إحدى وعشرين وألف، ببوزيري، ودفن من الغد يوم الخميس بعد صلاة الظهر بموضع هنالك يعرف بالمنيزلة، في الروضة المنسوبة لسيدي محمد السبع ولد الشيخ أبي زيد المجذوب، وصلى عليه على شفير قبره أخوه أبو الحسن علي رضي الله عنهم أجمعين. وحضر لذلك خلق لا يحصون من القبائل وغيرهم؛ لأنهم لما سمعوا خبر مرضه توقعوا ذلك، فتأهبوا له. والله أعلم. يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. ورمز تاريخ وفاته صاحبنا أبو عبد الله المكلاتي - رحمه الله - بقوله:
(1) وقد عادت العرائش إلى المغرب بتاريخ 18 محرم عام (1101) للهجرة.
(2) هو: محمد بن عبد الرحمن العامري الملوكي الملقب بالأدغم.