ولازمت أيضا شيخنا العلامة الصالح أبا القاسم بن محمد ابن القاضي سنين كثيرة؛ في علوم متعددة من علوم القرآن والنحو والتصريف، والعروض والحساب، والفرائض والتوقيت ... وغير ذلك. وكان واحد عصره في معرفة مذاهب النحاة، وحفظ أقوالهم، له عناية بشروح"الجمل"، و"الإيضاح"، وتوسع في مطالعة ما يمكنه من الكتب، وتقييد الفوائد منها. وكنت أحضر دروسه؛ كدرسه في"الألفية"، و"التسهيل"بشرحيهما للمرادي، وفي"المغني"، وفي الحوفي ببسط العمل، وفي تلخيص ابن البناء، وفي مقصورة الشيخ أبي زيد المكودي؛ وكان يقرؤها الأديب الكاتب أبو فارس عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم الفشتالي، وكان يكتب عليها شرحا ويستعين عليه فيما يرجع إلى إعرابها بقراءته على شيخنا. وقرأت عليه قصيدة كعب بن زهير التي أولها: بانت سعاد. مع شرح ابن هشام عليها ... وغير ذلك مما يكثر عده، وكنت أجالسه كثيرا، وأدخل معه إلى داره ومحل كتبه ونظره؛ فأستفيد وأفيد، وأنظر من كتبه ما شئت.
ولازمت أيضا الشيخ الإمام شيخ الإسلام أبا عبد الله القصار سنين كثيرة، فكنت أحضر دروسه في مختصر الشيخ خليل، وشرح"جمع الجوامع"للمحلي، و"ألفية"العراقي، وفي التفسير والحديث ... وغير ذلك، وجالسته كثيرا، وكانت مجالسته تقوم مقام دروس كثيرة؛ فإنها كان يحصل بها من الفوائد ما لا يكاد يحصل في دروس كثيرة، وكان إمام عصره تفننا في العلوم وتبحرا فيها، وجودة نظر ودقة فهم وسهولة مأخذ، واختصاصا بإيضاح المشكل، وتسهيل العويص، على وجازة فطر عليها في كلامه ربما لم يتأد معها المقصود لكثير ممن قصر فهمه؛ فتحامى لذلك الاستفادة منه كثير منهم. أما أهل التحصيل والفهم الأصيل؛ فأكبوا على الأخذ والاستفادة منه؛ فحصلوا على علم عظيم، وملكة تامة؛ [163] إذ كان متصرفا نظارا على سنن الأكابر من أهل النظر.