ونشأ صاحب الترجمة أحسن منشأ، مقبلا على شأنه، مجتهدا في طلب العلم. ثم رحل إلى حضرة فاس قبل ست وتسعين وتسعمائة؛ فسكن بيتا في مدرسة الحلفاويين مجاورا لبيوت أخي أبي العباس أحمد، وعمي أبي محمد عبد الرحمن، فكان ثالثهم في طلب العلم، وتكفل الشيخ أبو المحاسن بمؤونته؛ فتفرغ لشأنه، فلازم مشايخ فاس إذ ذاك كما ذكر في ترجمة رفيقيه المذكورين؛ فحصل علما كثيرا، وكتب بخطه كتبا كثيرة. مع حسن الخط، وكثرة الإتقان والضبط، وبرع في علم الوثائق والأحكام براعة فاق بها أهل عصره. مع المشاركة التامة في أنواع العلوم، والاضطلاع بها. وقد انتفعنا به كثيرا في علم الأحكام الشرعية.
[رجوعه لشفشاون ومكانته بها] :
ورجع إلى بلده شفشاون بعلم غزير، ملحوظا بالعلم والديانة، والعدالة والأمانة، فولي خطابة الجامع الأعظم، فحسن موقعه من قلوب الخاصة والعامة؛ حسن بيان، وفصاحة لسان، ومراعاة ما يليق بكل زمان، وقام بحق تلك الخطة أحسن قيام، وشهد الجميع بأنه لم يتقدم مثله هنالك خطيب ولا إمام.
وكان القاضي إذ ذاك بشفشاون: الشيخ الإمام العالم المحقق أبو عبد الله محمد بن الحسن ابن عرضون عالما متبحرا، وهو أسن منه، فأدرك من لم يدركه، فرافقه واستفاد ما عنده، ولم يزالا في ألفة تامة إلى أن توفي القاضي أبو عبد الله بفاس قرب عصر الثلاثاء الحادي عشر من شعبان سنة اثنتي عشرة وألف. ودفن خارج باب الفتوح في روضة الفضلاء أبناء بكار، وكان من قضاة العلم والعدل، مشهودا له [169] بالتحصيل وجودة الفهم. منظورا إليه بعين الإجلال والتعظيم. رحمه الله ورضي عنه.