فتعين عليه إذ ذاك منصب القضاء؛ فوليه جبرا، وسار فيه أحسن سيرة، فأقام مراسم الخطة، ونفذ أحكامها على يد العلم والعدل، والانفراد بالرياسة في تلك البلاد وما إليها غير مزاحم فيها. ومازال يتلطف في التنصل من خطة القضاء حتى تنزه عنها، مرجوعا إليه في مهماتها، موقوفا عليه مصالح الخاصة والعامة، تصدر الأمور عن رأيه وإشارته، معظما مسموع الكلمة، يملأ العيون جمالا، والقلوب جلالا.
وقد رأيت بخطه - رحمه الله - فصلا قال فيه: (( أنه ليس في سلفه من انتمى للمخزن أو دخل مدخله، غير أبينا، دخل في ذلك بسبب روح ترامت عليه، وقد محضه الله من ذلك ببلوغه الحرمين الشريفين، وموته قتيلا شهيدا، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ... قال: وسلفنا كلهم فضلاء صلحاء، وما ذكره السيد ابن السكاك من خلال الشرفاء الذين ذكرهم، وجدنا كثيرا منها في أنفسها والحمد لله ) ).
وما ذكره من دخول والده - رحمه الله - يريد به: ما كان له مع بني عمه الراشديين الذين تقدم ذكرهم، وقد مات غدرا بسهم رماه به بعض المفسدين في الأرض، ممن لا يخاف الله ولا يحذر يوم العرض.
وكان صاحب الترجمة بعد سنين من رجوعه إلى بلده، وتأهله به واستقراره؛ خطب عند شيخه الشيخ أبي المحاسن ابنته، فزوجه إياها بفاس، وبوأهما دارا قريبة منه؛ فكان يقسم السنة بين داري فاس وشفشاون برضى أهل بلده، إلى أن توفيت بعد وفاة والدها.
وكان السيد أبو العباس يدرس في الفقه وغيره، وانتفع به خلق كثيرون، وله حاشية على شرح"الصغرى"مفيدة جدا، هي عندي بخطه، وله جزء في نقل الميت من قبر إلى قبر دل على حفظ واطلاع تام، وله جزء في أنساب قومه أهل العلم، وله شجرة أنساب بني عبد السلام منهم، وله جمع كلام شيخه أبي المحاسن، وله مقيدات كثيرة في الفقه والأصول، والعربية والطب، والتاريخ وغير ذلك، تشتمل على فوائد كثيرة جمة.
[نبذة من الرسائل المتداولة بين المترجم والإمام القصار] :