الثالث: الشيخ أبو عبد الله محمد بن قاسم بن محمد بن علي القيسي، الغرناطي الأصل، الفاسي المولد والدار، المعروف بالقصار: الإمام العالم، المستبحر المحقق النظار، مفتي فاس وخطيب جامع القرويين بها، ومحدث المغرب في وقته، وكان دائم الخشية والخشوع، سريع الدمعة، ذاكرا للموت. كلامه كله جد مشوب بالوعظ والتذكير، مجالسته روض مزهر، كثير الفوائد.
لازمته سنين عديدة، بالمجالسة والاستفادة والمباحثة، وحضور مجالسه العلمية. وأنشدني - رضي الله عنه - أول يوم رأيته، وذلك في أواخر جمادى الثانية سنة ثمان وتسعين وتسعمائة:
تروم وحقق ذا الرجاءَ وحصلِ
شموس هدى في أعين المتأمل تمسكْ بحبل الشاذلية تَلْق ما
ولا تعدُوَنْ عيناك عنهم فإنهم
والبيتان للشيخ تاج الدين بن عطاء الله، ذكرهما صاحب"القاموس"مع مخالفة في بعض ألفاظهما.
وأجازني - رضي الله عنه - في كل ما يصح له وعنه روايته، وكان يعتقد الشيخ أبا المحاسن، ويقول بإمامته، ويصدر عن رأيه، ويكتب في حقه: (( سيدي وسندي ) )، وكان كثيرا ما يدعو لي بقوله: (( رزقك الله خير الآخرة، وجعل الدنيا خادمة [208] لك ) ). وقد رأيت أثر دعائه والحمد لله، ونسأله الكمال بخير بمنه.
وخرج من فاس إلى مراكش، وبه مرض، مات به في الطريق، فحمل إلى مراكش ودفن بإزاء باب روضة سيدي أبي العباس السبتي، وذلك في شعبان أو شهر رمضان سنة اثنتي عشرة وألف. وكان مولده بفاس سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة.
[ترجمة الشيخ رضوان الجنوي] :