فانتقل إلى فاس، وبنى خارج باب القليعة داخل باب الفتوح، وأقام هنالك ما شاء الله، إلى أن كانت سنة تعطل فيها المطر، وأخذ الناس في إخراج السواقي للحرث؛ فأخرج الشيخ من وادي اللبن ساقية لم يكن في سواقي السلطان وغيره مثلها، فبعث إليه أخو السلطان؛ وهو: الناصر الملقب بالكَديد (بالقاف المعقودة) ، وقال له: (( نحن أحق بتلك الساقية ) ). فقال له الشيخ: (( خذها! ) ). وأخذ في الرحيل إلى مراكش.
ولما توجه تلقاء مراكش، أخذ خنيفه في يده، وجعل يشير به من جهة فاس إلى جهة مراكش، ويقول: (( أيَّا يا سلطنة إلى مُراكش! ) ). هذا حديث شيخنا أبي عبد الله النيجي.
وأخْنيف معروف؛ وهو نوع مخصوص من البرانس السود. ومعنى: أَيَّا بلغة عامة المغرب؛ وهي بربرية: سر معي . وموضع بني فرنكار أظنه: تاصروت؛ فإنها رسم منسوب له إلى الآن، وإنه منزله الذي كان به، ومازالت آثاره هنالك. والدار التي بنى بباب القليعة: هي المتصيرة لتلميذه الشيخ أبي عبد الله محمد بن علي الهروي؛ المعروف بالطالب، التي دفن بإزائها، وبنيت عليه القبة المعروفة هنالك. ولعل سنة إخراج السواقي: سنة ست وعشرين وتسعمائة؛ فإنها تعطل فيها المطر، وحدث عنها الغلاء الكبير المؤرخ بسنة سبع وعشرين [213] ، وكأنه أشار إلى انتقال السلطنة عن فاس وبني وطاس ملوكها إلى مراكش والشرفاء الذين جعلوها كرسي ملكهم.
والمراد بابن داود: الشيخ أبو عبد الله محمد بن داود؛ من أولاد بوزيري، وهم من أولاد بورزق من الشاوية؛ دفين أزراركَ من تادلا. وكان الشيخ أبو الحسن علي بن إبراهيم البوزيري - نزيل أجرض ودفينه - شاركه في صحبة الشيخ أبي محمد عبد العزيز، ثم سلب له الإرادة؛ كحال البداية، وتسبب في مجيئه إلى أزرارك. وسمعت أنها كانت سنة غلاء بتامسنا، فلما جاء سيدي ابن داود، فوض إليه سيدي علي جميع أموره، ووضع مفاتيح الأهراء بيده، وصار كواحد من تلامذته - رضي الله عنهم أجمعين، ونفعنا ببركاتهم.