كان من أهل الفضل والبركات الظاهرة، سار بالركب إلى الحج مرات متعددة؛ فتيمن الناس بنقيبته، وسعدوا بصحبته، وما نكب الركب معه قط، وكان يجتمع له ركب عظيم في شارة حسنة وزي جميل، يخرج فيه أهل فاس وغيرهم في الأخبية المنوعة من القوراء والمستطيلة، والقياطين المثلثة، ويسعهم سديد نظره، ويسوسهم السياسة النافعة. وساس قبائل الصحراء، وظهرت له بركات؛ فأذعنوا له، وعرفوا محله، وتلقوه بالبر والإجلال.
وكان جميل الصورة، بهي الهيئة، حلو المنطق، طلق اللسان، عارفا بفضل القول، حسن الخلق، صائب الرأي. نفع الله به في ذلك القصد الشريف نفعا لا كفاء له، ولم يكن له في عصره نظير في ذلك.
كانت بينه وبين الشيخ أبي المحاسن محبة أكيدة، وألفة قديمة، وكان إذا جاء من المشرق ونزل على باب الفتوح؛ خرج الشيخ أبو المحاسن للقائه، وكان يبعث ولده وأصحابه يشيعونه إذا سار، ويتلقونه إذا جاء؛ تعظيما لشعيرة الحج، والوفادة على حرم الله وحرم رسوله صلى الله عليه وسلم، وقيامه هو بذلك الوظيف الشريف.
أدركت من ذلك في صغري ركبين: خرجت مع أخي شيخنا أبي العباس وجماعة من الأصحاب للتشييع، فنقيم معه الليالي ذوات العدد؛ إلى أن يرحل من صَفْرُ، وربما زدنا معه، ونفعل مثل ذلك في لقائه إذا قدم، وكان يلطف منزلتي ويبرني كثيرا، ويطعمني لصغري من طرائف ما لديه، ويدعو لي كثيرا بالخير.
وكانت آخر قدماته: سنة ثلاث وألف، ومات بعد قدومه بنحو ثلاثة أشهر في سنة أربع، ودفن بمدشره [220] الذي عمره في بلاد مصمودة عمل أزاجن، وروضته هنالك مشهورة.
أخذ عن الشيخ أبي العباس أحمد الشاهد المصباحي، وفي صحبته نشأ، وهو - فيما أظن - عن الشيخ أبي عبد الله محمد أبي عسرية المصباحي.