ثم قالوا: (( اسكتوا؛ فهذا الموضع قريب من الموضع المعهود لابن عروس! ) ). واتفق أن كان ذلك بمسمع منه، وقد اتعظ بما سمع، وقال: (( أنا جمل العرايس، والرحيل إلى الآخرة ) ). فخرج إليهم، وقال: (( لا خوف عليكم؛ أنا ابن عروس، وأنا تائب إلى الله تعالى!! ) ). فكان ذلك ابتداء إقباله على الله تعالى، وأخذه في سلوك الطريق إلى أن وصل مقامات عالية في الولاية الخاصة.
ودخل تونس، وصحب الشيخ سيدي فتح الله العجمي، وظهرت على يديه خوارق كثيرة حيا وبعد وفاته. حدثني الفقيه القاضي، خاصة الملوك وسفيرهم؛ أبو فارس عبد العزيز بن محمد الثعالبي عن الفقيه الكاتب أبي عبد الله محمد الأندلسي؛ وكان كاتب [230] السلطان حميدة؛ آخر ملوك بني أبي حفص بإفريقية، قال: (( استدعاني ليلة السلطان حميدة، وكان فتاكا سفاكا للدماء، فلم يمكني إلا إجابته، وخفت غائلته؛ فتطهرت وتهيأت، وسرت مع رسوله؛ فوجدته عند الباب الأول، وبين يديه الشموع تضيء وطعام. فقال لي: رأيت الليلة في منامي سيدي أحمد بن عروس وهو يأمرني بحمل طعام إلى خديم روضته، ويتهددني إن لم أفعل. قال: فسرنا إلى أن وصلنا باب الروضة، وهي في داخل تونس، فلما أحس بنا الخديم؛ سمعناه يقول: الآن اشعل عليك الضوء. وكرر ذلك، وفتح لنا، فقلنا له: ما شأنك؟. فقال: لم يكن عندي الليلة عشاء؛ فجئت قبر الشيخ وحلفت له أن لا أشعل عليه الليلة مصباحا إلا إن عشاني!. فكان ما رأيتم. فقال له السلطان: لقد أتعبتنا بعشائك وعنَّيتنا ) ).ويؤثر عنه كلام كثير على الطريقة التي تسلكها العرب المستعجمة في أشعارها؛ منها قوله:
إلا وكَّان رجالْ مَعْدودِينْ رُوس
وسالم الكرباس واحْمدْ بن عروسْ
اسْهَ عن فمكْ تْروحْ بلا ضْروس ما باعْ الدنيا فقير ولا كَار
سلاَّم بن عياش وعلي الأندار
وتالِ الناسْ نظيرْ بَيَّاعْ وشار
وقوله:
سَهْر الليالي تْجَارا
ولا تْمَتْلالُ غْرَارا
وَلالُو عْليها جْسَارَا يا عين قم اسهر اللِّيل