الصفحة 2 من 54

مقدمة عامة:

إن مشروع التنمية الذي انطلق في نهاية الستينات كان يهدف بوضوح إلى تحويل جذري لهياكل البلاد الاقتصادية والاجتماعية، ولكن إتباع نمط تسييري يتعارض في كثير من محدداته مع القيم الحضارية للمجتمع، جعل من تلك الأهداف مجرد وهم، ومع حلول سنة 1986 عرفت أسعر المحروقات التي كانت تمثل حينذاك نسبة 98.5% من الصادرات، انهيارا في السوق العالمية، وهكذا ظهرت جليا هشاشة الاقتصاد الوطني، حيث انخفضت الاستثمارات وأصبح النمو سلبيا لسنوات متتالية ...

إذن فالتنمية لا تختصر في مجرد نمو اقتصادي بسيط ولكن يستلزم ذلك تحولات أساسية في العلاقات الاجتماعية وفي المؤسسات، لأن التغير في العادات يجعل بالفعل من وجود العلاقات المتطابقة بين الطبقات والجماعات الاجتماعية ليس مجرد معنى جاف ولكن لا تختزل هذه العلاقات إلى أبسط تجميع واعتماد السلوكات الضرورية للأدوار، وهكذا فإن فعالية العملية التنموية مرتبطة بمفهوم التنمية الدائمة التي تعتبر أن التكامل بين النمو الاقتصادي والمحافظة على البيئة شرطا أساسيا لديمومة التنمية، واستنادا إلى تقرير برنتلاند (BRUNDTLAND) [1] تعريف التنمية المستديمة بأنها"التنمية التي تستجيب لمتطلبات الحاظر دون المجازفة بقدرات الأجيال الصاعدة فيما يخص تلبية حاجيتها"

ومن هذا المنطلق فإن عدم قدرة المسؤولين العموميين في مقابلة المؤثرات الخارجية المتزايدة للأخطار التي يمكن أن تحدث بخصوص نشاط المؤسسات ومتطلبات الجانب الاجتماعي للتنمية المستديمة يجعل من أن الكثير من البلدان خاصة الأوروبية والأمريكية تسعى إلى تشجيع مؤسساتها بخصوص تبني نمط تسيير مسؤول على مستوى المخطط البيئي (المحيط) وكذلك على مستوى الجانب الاجتماعي وغير ذلك،

حيث للحفاظ على نوعية بيئية مقبولة وتقليص نسبة التلوث يتعين القيام بإستثمارات معتبرة، ومن جهة أُخرى تتطلب محاربة جميع أشكال تلوث المياه استثمارات هائلة.

إذن مسألة إمكانية تحقيق مبدأ التنمية المستديمة من حيث الأهداف والوسائل أصبح مطلبا ملحا مع ما يرافقه من إصلاحات اقتصادية في الجزائر، وكذلك مسألة انضمامه>ه الأخيرة إلى المنظمة العالمية للتجارة، وما يمكن أن يتحقق من وراء ذلك في سبيل الشراكة المتعددة وخاصة الشراكة الأورو متوسطية وإقامة منطقة للتبادل الحر لأجل انفتاح الأسواق وزيادة الإنتاج وتحسين أدائية وإنتاجية عناصر الإنتاج بغية كبح تنامي ظاهرة الاقتصاد الخفي.

الذي صوره البروفيسور حميد بالي أنه بمثابة حجر نرد ثلاثي الأقطاب فهو < آفة ومخدر وسرطان> [2] ، وعلى الرغم من الجهد المبذول حديثا للتحكم في مفهوم الاقتصاد الخفي، فإن جل المحاولات الرامية إلى الوصول إلى تعريف دقيق لهذه الظاهرة تبين أنها غير مثمرة، خاصة أن هذا المصطلح يشمل تشكيلة من الوضعيات وعددا كبيرا من الحقائق غالبا ماتكون متراكبة تمتد من النشاط الرامي إلى تحقيق القوت، إلى الجريمة المنظمة مرورا بتشكيلة واسعة من الممارسات غير الشرعية تعتمد في معظم الأحيان على النهب.

ويثير هذا التنوع الكبير كثيرا من الغموض والأوهام والحيل كما أنه يقتضي مقاربات ومعالجات مختلفة اختلافا كليا.

(1) المشروع التمهيدي للتقرير الوطني حول التنمية البشرية، ص:03، الدورة الثالثة عشر للمجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي ... (CNES) ماي 1999، الجزائر.

(2) مداخلة الأستاذ حميد بالي، الملتقى الدولي حول السياسات الاقثصادية، جامعة أبو بكر بلقايد بتلمسان خلال 29/ 30 نوفمبر 2004

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت