فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أجمع المسلمون على أن اليهود والنصارى من غير العرب إذا دفعوا الجزية وجب الكف عن قتالهم أما غيرهم فأشهر المذاهب في ذلك أربعة:
الأول: وهو قول الشافعي والمشهور من مذهب الإمام أحمد ومذهب أبي ثور والثوري أنه لا يقبل من أهل الشرك إلا الإسلام أو السيف ومن أوضح أدلة هذا القول أن الله فرق بين المشركين وبين أهل الكتاب في سورة التوبة فقال عن المشركين: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [1] وقال عن أهل الكتاب: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [2] . وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله) وما شابه ذلك من الأحاديث التي تجعل الغاية في القتال الدخول في الإسلام فهذه هي الغاية العظمى للجهاد وهي الدخول في الإسلام ويستثنى من القاعدة العامة ما استثناه الدليل وهم أهل الكتاب والمجوس.
الثاني: وهو قول أبي حنيفة ورواية عن الإمام أحمد وابن القاسم وأشهب وسحنون أن الجزية لا تؤخذ من العرب وتؤخذ ممن عداهم من الكفار عمومًا.
الثالث: وهو رواية عن الإمام مالك وادعى ابن جهم عليه الإجماع أن الجزية لا تقبل من قريش فقط وتقبل من سائر الكفار.
الرابع: أن الجزية تقبل من كل كافر على وجه الأرض أيًا كان دينه وهذا مروي عن الإمام مالك والأوزاعي وابن القيم وإليه مال كثير من المعاصرين [3] .
ومن أوضح أدلة هذا القول الأخير حديث بريدة الذي جاء فيه: (وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم -وذكر الإسلام والجزية والقتال إن هم أبوا ... الحديث) [4] . غير أن أصحاب القول الأول الذين لا يرون أخذ الجزية من المشركين يقولون المراد بلفظ المشركين في هذا الحديث أهل الكتاب فإنهم يطلق عليهم اسم المشركين لما في عقائدهم من الإشراك قال الله عن اليهود والنصارى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ .. ) [5] الآية (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ .. ) [6] .
(1) التوبة: 5.
(2) التوبة: 29.
(3) انظر هذه المذاهب وأدلة أصحابها في تفسير القرطبي (8: 110) وأحكام أهل الذمة لابن القيم (1: 389) واختلاف الفقهاء للطبري (ص200) والمغني لابن قدامة (8: 362) .
(4) صحيح مسلم مع النووي (12: 38) .
(5) التوبة: 30.
(6) التوبة: 31.