الصفحة 107 من 317

والذي يظهر لي والله تعالى أعلم بالصواب أن القول الراجح هو قول الشافعي والمشهور عن الإمام أحمد وهو أن أهل الشرك لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى سواء أكانوا عربًا أم غير عرب فتقبل منهم الجزية وكذلك المجوس وإن كانوا مشركين للأدلة المخصصة لهم من سائر المشركين. وهذا الترجيح لأمرين.

الأمر الأول: لو كان حكم الكفار واحدًا عند الصحابة لما توقف عمر في أخذ الجزية من المجوس حتى شهد أحد الصحابة بحكمهم كما جاء في الحديث الذي رواه مالك في الموطأ: (إن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال ما أدري كيف أصنع في أمرهم فقال عبد الرحمن بن عوف أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سنوا بهم سنة أهل الكتاب) [1] . وذكر البخاري نحو هذا الحديث وقال ابن حجر في شرحه على هذا الحديث: (وفيه التمسك بالمفهوم لأن عمر فهم من قوله أهل الكتاب اختصاصهم بذلك حتى حدثه عبد الرحمن بن عوف بإلحاق المجوس بهم فرجع إليه) [2] . وقال أيضًا وروى أبو عبيد بإسناد صحيح عن حذيفة لولا أني رأيت أصحابي أخذوا الجزية من المجوس ما أخذتها [3] .

وكل هذا في نظري يدل على أن الصحابة لو فهموا أن الجزية تؤخذ من كل كافر لما توقفوا في أخذها من المجوس، ثم إن عبد الرحمن بن عوف أخبرهم بقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيه النص على المجوس ولم يقل لهم إن آية التوبة عامة وليست خاصة بأهل الكتاب.

الأمر الثاني: أن أهل الكتاب ليسوا كغيرهم من المشركين فهم أقرب إلى الإسلام لإيمانهم بالمعاد والنبوات ثم إن بقاءهم تحت حكم المسلمين أقل خطرًا من المشركين فهم يحرمون الفواحش كالزنا واللواط والسرقة ونحو ذلك ولذلك يكون بقاؤهم بالجزية فيه مصلحة لهم لتوقع إسلامهم ومصلحة للمسلمين للاستفادة من جزيتهم مع انتفاء انتشار الفساد الذي يحدث من المشركين وهذا إذا حكموا على وفق الشروط التي استنبطها الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم أما إذا ترك لهم الحبل على الغارب ورفع عنهم الصغار والذل الذي ألزمهم الإسلام به فإن خطرهم عظيم كما حدث في أواخر العصور الإسلامية لما تساهل بعض خلفاء بني العباس مع أهل الكتاب وقد لخص ابن القيم رحمه الله الحكمة من بقاء أهل الكتاب والمجوس بالجزية دون غيرهم من الكفار -وذلك في معرض ذكره لأقوال العلماء القائلين بذلك- فقال: (قال المخصصون بالجزية لأهل الكتاب المراد من إرسال الرسل وإنزال الكتب إعدام الكفر والشرك من الأرض وأن يكون الدين كله لله كما قال تعالى:(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ) وفي الآية الأخرى: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه) ومقتضى هذا ألا يقر كافر على كفره ولكن جاء النص بإقرار أهل الكتاب إذا أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فاقتصرنا بها عليهم وأخذنا في عموم الكفار بالنصوص الدالة على قتالهم إلى أن يكون الدين كله لله. قالوا ولا يصح إلحاق عبدة الأوثان بأهل الكتاب لأن كفر المشركين أغلظ من كفر أهل الكتاب فإن أهل الكتاب معهم من التوحيد وبعض آثار الأنبياء ما ليس مع عباد الأصنام ويؤمنون بالمعاد والجزاء والنبوات بخلاف عبدة الأصنام وعبدة الأصنام حرب لجميع الرسل وأممهم من عهد نوح إلى خاتم الأنبياء والمرسلين ولهذا أثر هذا التفاوت الذي بين الفريقين في حل الذبائح

(1) موطأ مالك (ص188) .

(2) صحيح البخاري مع الفتح (6: 185 - 186) .

(3) المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت