الصفحة 108 من 317

وجواز المناكحة من أهل الكتاب دون عباد الأصنام ولا ينتقض هذا بالمجوس فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يسن بهم سنة أهل الكتاب وهذا يدل على أن الجزية إنما تؤخذ من أهل الكتاب وأنها إنما وضعت لأجلهم خاصة وإلا لو كانت الجزية تعم جميع الكفار لم يكن أهل الكتاب أولى بها من غيرهم ولقال لهم حكم أمثالهم من الكفار يقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية. وأما تحريم ذبائحهم ومناكحتهم فاتفاق من الصحابة رضي الله عنهم ولهذا أنكر الإمام أحمد وغيره على أبي ثور طرده القياس وإفتاءه بحل ذبائحهم وجواز مناكحتهم ودعا عليه أحمد حيث أقدم على مخالفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة كانوا أفقه وأعلم وأسد قياسًا ورأيًا فإنهم أخذوا في الدماء بحقنها موافقة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله حيث أخذها منهم وأخذوا في الأبضاع والذبائح بتحريمها احتياطًا وإبقاء لها على الأصل وإلحاقًا لهم بعباد الأوثان إذ لا فرق في ذلك بين عباد الأوثان وعباد النيران فالأصل في الدماء حقنها وفي الأبضاع والذبائح تحريمها فأبقوا كل شيء على أصله وهذا غاية في الفقه وأسد ما يكون من النظر. قالوا ولله تعالى حكم في إبقاء أهل الكتابين بين أظهرنا فإنهم مع كفرهم شاهدون بأصل النبوات والتوحيد واليوم الآخر والجنة والنار وفي كتبهم من البشارات بالنبي صلى الله عليه وسلم وذكر نعوته وصفاته وصفات أمته ما هو من آيات نبوته وبراهين رسالته وما يشهد بصدق الأول والآخر وهذه الحكمة تختص بأهل الكتاب دون عبادة الأوثان فبقاؤهم من أقوى الحجج على منكر النبوات والمعاد والتوحيد وقد قال تعالى لمنكري ذلك: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) ذكر هذا عقب قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) يعني سلوا أهل الكتاب هل أرسلنا قبل محمد رجالًا يوحى إليهم أم كان محمد بدعا من الرسل لم يتقدمه رسول حتى يكون إرساله أمرًا منكرًا لم يطرق العالم رسول قبله وقال تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) والمراد بسؤالهم سؤال أممهم عما جاؤوهم به هل فيه أن الله شرع لهم أن يعبدوا من دونه إلهًا غيره قال الفراء المراد سؤال أهل التوراة والإنجيل فيخبرونه عن كتبهم وأنبيائهم وقال ابن قتيبة التقدير واسأل من أرسلنا إليهم رسلًا من قبلك وهم أهل الكتاب وقال ابن الأنباري التقدير وسل من أرسلنا من قبلك وعلى كل تقدير فالمراد التقرير لمشركي قريش وغيرهم ممن أنكر النبوات والتوحيد وأن الله أرسل رسولًا أو أنزل كتابًا أو حرم عبادة الأوثان فشهادة أهل الكتاب بهذا حجة عليهم وهي من أعلام صحة رسالته صلى الله عليه وسلم إذ كان قد جاء على ما جاء به إخوانه الذين تقدموه من رسل الله سبحانه ولم يكن بدعا من الرسل ولا جاء بضد ما جاءوا به بل أخبر بمثل ما أخبروا به من غير شاهد ولا اقتران في الزمان وهذه من أعظم آيات صدقه) [1] ، والله أعلم.

ولما كان المرتدون والمنافقون يشاركون الكفرة الأصليين في الكفر نبين حكم جهادهم في الفصل الآتي.

(1) أحكام أهل الذمة لابن القيم (1: 9 - 12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت