فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ترك الجهاد مع القدرة عليه كبيرة من الكبائر، يقول ابن حجر الهيتمي: (الكبيرة التسعون والحادية والثانية والتسعون بعد الثلثمائة ترك الجهاد عند تعينه بأن دخل الحربيون دار الإسلام أو أخذوا مسلمًا وأمكن تخليصه منهم وترك الناس الجهاد من أصله وترك أهل الإقليم تحصين ثغورهم بحيث يخاف عليها من استيلاء الكفار بسبب ترك ذلك التحصين) [1] .
بل لا خلاف بين علماء المسلمين على أن أي طائفة امتنعت عن جهاد الكفار أو ضرب الجزية عليهم تجاهد هي بذاتها حتى ترجع إلى الصواب وتلتزم هذه الفريضة المحكمة التي ورد بها الكتاب والسنة والإجماع. يقول ابن تيمية رحمه الله: (فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات أو الصيام أو الحج أو عن التزام تحريم الدماء والأموال والخمر والزنا والميسر أو عن نكاح ذوات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على أهل الكتاب وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته -التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها- التي يكفر الجاحد لوجوبها فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر والأذان والإقامة -عند من لا يقول بوجوبها- ونحو ذلك من الشعائر هل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات والمحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام أو الخارجين عن طاعته كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين أو خارجون عليه لإزالة ولايته، وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام بمنزلة مانعي الزكاة) [2] . ولأجل هذا كان ترك الجهاد علامة النفاق قال صلى الله عليه وسلم"من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق" [3] . وقال تعالى: (لاَ يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ، إِنَّمَا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) [4] . يقول سيد قطب عند تفسير هذه الآيات: (وهذه هي القاعدة التي لا تخطئ فالذين يؤمنون بالله ويعتقدون بيوم الجزاء لا ينتظرون أن يؤذن لهم في أداء فريضة الجهاد ولا يتلكأون في تلبية داعي النفرة في سبيل الله بالأموال والأرواح بل يسارعون إليها خفاقًا وثقالًا كما أمرهم الله طاعة لأمره ويقينًا بلقائه وثقة بجزائه وابتغاء لرضاه وإنهم ليتطوعون تطوعًا فلا يحتاجون إلى من يستحثهم فضلًا عن الإذن لهم إنما يستأذن أولئك الذين خلت قلوبهم من اليقين فهم يتلكأون ويتلمسون المعاذير لعل عائقًا من العوائق يحول بينهم وبين النهوض بتكاليف العقيدة التي يتظاهرون بها وهم يرتابون فيها ويترددون) [5] .
(1) الزواجر عن اقتراف الكبائر للهيتمي (2: 163) .
(2) مجموع الفتاوى (28: 503) .
(3) صحيح مسلم مع النووي (13: 56) .
(4) التوبة: 44 - 45.
(5) في ظلال القرآن (3: 1662) .