فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقال تعالى: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ، فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [1] .
1 -وترك الجهاد سبب للهلاك في الدنيا والآخرة؛ فأما الهلاك في الدنيا فإن الجبان الرعديد الذي لا همة له في قتال الأقران ولا طاقة له بالذود عن حياضه يكون ذليلًا مستعبدًا تابعًا غير متبوع، وأما في الآخرة فهو يهلك -إن لم يتغمده الله برحمته- بترك فريضة محكمة أنزلها الله في كتابه بها عز الإسلام والمسلمين وإذلال الشرك والمشركين، قال تعالى: (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [2] . قال ابن كثير: (وقال الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه ومعنا أبو أيوب الأنصاري فقال أناس ألقى بيده إلى التهلكة فقال أبو أيوب نحن أعلم بهذه الآية إنما نزلت فينا؛ صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد ونصرناه فلما فشا الإسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار نجيًا فقلنا قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصره حتى فشا الإسلام وكثر أهله وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما فنزل فينا: وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد [3] .
2 -وترك الجهاد سبب للذل والهوان قال صلى الله عليه وسلم: لئن تركتم الجهاد وأخذتم بأذناب البقر وتبايعتم بالعينة ليلزمنكم الله مذلة في رقابكم لا تنفك عنكم حتى تتوبوا إلى الله وترجعوا إلى ما كنتم عليه [4] .
وقد بوب البخاري عليه رحمة الله بابًا على هذا المعنى في الصحيح فقال:"باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع أو مجاوزة الحد الذي أمر به". وروى تحت هذا العنوان سنده عن أبي أمامة الباهلي قال ورأى سكة وشيئًا من آلة الحرث فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل [5] .
قال ابن حجر: (وعن الداودي هذا لمن يقرب من العدو فإنه إذا اشتغل بالحرث لا يشتغل بالفروسية فيتأسد عليه العدو فحقهم أن يشتغلوا بالفروسية وعلى غيرهم إمداهم بما يحتاجون إليه) [6] .
وقد صدق الرسول الكريم الذي لا ينطق عن الهوى فإن الناظر في أحوال المسلمين اليوم الذين أضاعوا معظم دينهم وكان في مقدمة ما أضاعوا جهاد الكفار وضرب الجزية عليهم يرى أنه قد ألزمهم الله
(1) التوبة: 81 - 82.
(2) البقرة: 195.
(3) تفسير ابن كثير (1: 331) وقارن بما في زاد المعاد (3: 87) وقال المحققان لزاد المعاد وإسناده صحيح وصححه ابن حبان (1667) والحاكم (2: 275) ووافقه الذهبي.
(4) الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد (15: 44) وقال البنا سنده جيد.
(5) صحيح البخاري مع الفتح (5: 4) .
(6) فتح الباري (5: 4) .