الصفحة 145 من 317

قال ابن زيد (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لولا القتال والجهاد) [1] . وقال مقاتل (لولا دفع الله المشركين بالمسلمين لغلب المشركون على الأرض فقتلوا المسلمين وخربوا المساجد) [2] .

وقال الله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [3] .

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: (وجعلنا الحديد رادعًا لمن أبى الحق وعانده من بعد قيام الحجة عليه ولهذا أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة توحى إليه السور المكية وكلها جدال مع المشركين وبيان وإيضاح للتوحيد وتبيان ودلائل فلما قامت الحجة على من خالف شرع الله الهجرة وأمرهم بالقتال بالسيوف وضرب الرقاب والهام لمن خالف القرآن وكذب به وعانده) [4] .

إن الدين الإسلامي لا يتحقق في أنفس المسلمين ولا في واقع الناس إلا بالجهاد بجميع أنواعه. يقول سيد قطب رحمه الله: (هناك حقيقة أولية عن طبيعة هذا الدين وطريقة عمله في حياة البشر حقيقة أولية بسيطة ولكنها مع بساطتها كثيرًا ما تنسى أو لا تدرك ابتداء فينشأ عن نسيانها أو عدم إدراكها خطأ جسيم في النظر إلى هذا الدين؛ حقيقته الذاتية وواقعه التاريخي، حاضره ومستقبله. كذلك إن البعض ينتظر من هذا الدين -ما دام منزلًا من عند الله- أن يعمل في حياة البشر بطريقة سحرية خارقة غامضة الأسباب ودون أي اعتبار لطبيعة البشر ولطاقاتهم الفطرية ولواقعهم المادي في أية مرحلة من مراحل نموهم وفي أية بيئة من بيئاتهم وحين لا يرون أنه يعمل بهذا الطريقة، وحين يرون أن الطاقة البشرية المحدودة والواقع المادي للحياة الإنسانية يتفاعلان معه فيتأثران به في فترات تأثرًا واضحًا على حين أنهما في فترات أخرى يؤثران تأثيرًا مضادًا لاتجاهه فتقعد بالناس شهواتهم وأطماعهم وضعفهم ونقصهم دون تلبية هتاف هذا الدين أو الاتجاه معه في طريقه. حين يرون هذا فإنهم يصابون بخيبة أمل لم يكونوا يتوقعونها أو يصابون بخلخلة في ثقتهم بجدية المنهج الديني للحياة وواقعيته أو يصابون بالشك في الدين إطلاقًا وهذه السلسلة من الأخطاء تنشأ كلها من خطأ واحد أساسي هو عدم إدراك هذا الدين وطريقته أو نسيان هذه الحقيقة الأولية البسيطة. إن هذا الدين منهج إلهي للحياة البشرية يتم تحقيقه في حياة البشر بجهد البشر أنفسهم في حدود طاقتهم البشرية وفي حدود الواقع المادي للحياة الإنسانية في كل بيئة ويبدأ العمل من النقطة التي يكون البشر عندها حينما يتسلم مقاليدهم ويسير بهم إلى نهاية الطريق في حدود طاقتهم البشرية وبقدر ما يبذلونه من هذه الطاقة. وميزته الأساسية أنه لا يغفل لحظة في أية لحظة وفي أية خطوة عن فطرة الإنسان وحدود طاقته وواقع حياته المادي أيضًا وأنه في الوقت ذاته يبلغ به -كما تحقق ذلك فعلًا في بعض الفترات وكما يمكن أن يتحقق دائمًا كلما بذلت محاولة جادة- إلى ما لم يبلغه أي منهج آخر من صنع البشر على الإطلاق وفي يسر وراحة وطمأنينة واعتدال. ولكن الخطأ كله كما تقدم ينشأ من عدم إدراك طبيعة هذا الدين أو من نسيانها ومن انتظار الخوارق المجهولة الأسباب على يديه

(1) تفسير الطبري (7: 124) .

(2) زاد المسير لابن الجوزي (1: 30) .

(3) الحديد: 25.

(4) تفسير ابن كثير (8: 53) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت