فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
تلك الخوارق التي تبدل فطرة الإنسان ولا تبالي طاقاته المحدودة ولا تحفل واقعه المادي البيئي. أليس هو من عند الله؟ أليس الله قادرًا على كل شيء؟ فلماذا إذن يعمل هذا الدين فقط في حدود الطاقة البشرية المحدودة وتتأثر نتائج عمله بالضعف البشري؟ بل لماذا يحتاج أصلًا إلى الجهد البشري؟ ثم لماذا لا ينتصر دائمًا ولا ينتصر أصحابه دائمًا لماذا تغلب ثقلة الضعف والشهوات والواقع المادي على رفرفته وشفافيته وانطلاقه أحيانًا ولماذا يغلب أهل الباطل على أصحابه -وهم أهل الحق- أحيانًا .. وكلها كما ترى أسئلة وشبهات تنبع ابتداء من عدم إدراك الحقيقة الأولية لطبيعة هذا الدين وطريقته أو من نسيانها. إن الله قادر -طبعًا- على تبديل فطرة الإنسان عن طريق هذا الدين أو عن غير طريقه ولكنه سبحانه شاء أن يخلق الإنسان بهذه الفطرة لحكمة يعلمها وشاء أن يجعل الهدى ثمرة الجهد والرغبة في الهدى (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) وشاء أن تعمل فطرة الإنسان دائمًا ولا تمحى ولا تعطل (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) وشاء أن يتم تحقيق منهجه الإلهي للحياة البشرية عن طريقة الجهد البشري وفي حدود الطاقة البشرية. (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) ، (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ) وشاء أن يبلغ الإنسان من هذا كله بقدر ما يبذل من الجهد وما ينفق من الطاقة وما يصبر على الابتلاء في تحقيق هذا المنهج الإلهي القويم وفي دفع الفساد عن نفسه وعن الحياة من حوله (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) وليس لأحد من خلق الله أن يسأله سبحانه لماذا شاء هذا كله على هذا النحو الذي أراده فكان. ليس لأحد من خلقه أن يسأله سبحانه ما دام أن أحدًا من خلقه ليس إلهًا وليس لديه العلم ولا إمكان العلم بالنظام الكلي لهذا الكون ومقتضيات هذا النظام في طبيعة كل كائن في هذا الوجود ... وهذا المنهج الإلهي الذي يمثله الإسلام في صورته النهائية كما جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم لا يتحقق في الأرض وفي دنيا الناس بمجرد تنزله من عند الله لا يتحقق بكلمة"كن الإلهية"مباشرة لحظة تنزله ولا يتحقق بمجرد إبلاغه للناس وبيانه ولا يتحقق بالقهر الإلهي على نحو ما يمضي ناموسه في دورة الفلك وسير الكواكب. إنما يتحقق بأن تحمله جماعة من البشر تؤمن به إيمانًا كاملًا وتستقيم عليه بقدر طاقتها وتجتهد لتحقيقه في قلوب الآخرين وفي حياتهم كذلك وتجاهد لهذه الغاية بكل ما تملك تجاهد الضعف البشري والهوى البشري في داخل النفوس وتجاهد الذين يدفعهم الضعف والهوى للوقوف في وجه الهدى وتبلغ بعد ذلك كله من تحقيق هذا المنهج إلى الحد الذي تطيقه فطرة البشر والذي يهيئه لهم واقعهم المادي ومقتضياته في سير وتتابع مراحل هذا المنهج الإلهي ثم تنتصر هذه الجماعة على نفسها وعلى نفوس الناس معها تارة وتنهزم في المعركة مع نفسها أو مع نفوس الناس تارة بقدر ما تبذل من الجهد وبقدر ما تتخذ من الوسائل المناسبة للزمان ولمقتضيات الأحوال وقبل كل شيء بمقدار ما تمثل هي ذاتها من حقيقة هذا المنهج ومن ترجمته ترجمة عملية في واقعها وسلوكها الذاتي ... وعلى أنه من الملاحظ الواضح أن ترك المنهج الإلهي للجهد البشري يتولى تحقيقه في حدود الطاقة البشرية يصلح للنفوس البشرية ويصلح الحياة البشرية. نقول هذا لا لنعلل به مشيئة الله سبحانه في جعل الأمر على ما جعله ولكن لنسجل فقط ملاحظة واقعية لآثار هذه المشيئة في حياة العباد.
ذلك أن حقيقة الإيمان لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرض لمجاهدة هذه الناس في أمر هذا الإيمان مجاهدتهم بالقلب بكراهة باطلهم وجاهليتهم والعزم على نقلهم منها إلى الحق والإسلام ومجاهدتهم باللسان بالتبليغ والبيان ورفض باطلهم الزائف وتقرير الحق الذي جاء به الإسلام ومجاهدتهم باليد بالدفع