فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
والإزالة من طريق الهدى حين يعترضونه بالقوة الباغية والبطش الغشوم وحتى يتعرض في تلك المجاهدة للابتلاء والأذى والصبر على الابتلاء والأذى والصبر على الهزيمة والصبر على النصر أيضًا. فالصبر على النصر أشق من الصبر على الهزيمة. ثم يثبت ولا يرتاب ويستقيم ولا يتلفت ويمضي في طريق الإيمان راشدًا صاعدًا. حقيقة الإيمان لا يتم لأنه يجاهد نفسه كذلك في أثناء مجاهدته للناس وتتفتح له في الإيمان آفاق لم تكن لتتفتح له أبدًا وهو قاعد آمن ساكن وتتبين له حقائق في الناس وفي الحياة لم تكن لتتبين له أبدًا بغير هذه الوسيلة ويبلغ هو بنفسه وبمشاعره وتصوراته وبعاداته وطباعه وانفعالاته واستجاباته ما لم يكن ليبلغه أبدًا بدون هذه التجربة الشاقة العسيرة وهذا بعض ما يشير إليه قوله تعالى: (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ) وأول ما تفسد: فساد النفوس بالركود الذي تأسن معه الروح وتسترخي معه الهمة ويتلفها الرخاء والطراوة ثم تأسن الحياة كلها بالركود أو بالحركة في مجال الشهوات وحدها كما يقع للأمم حين تبتلى بالرخاء. فهذه كذلك من الفطرة التي فطر الله الناس عليها لقد جعل صلاح هذه الفطرة في المجاهدة لإقرار منهج الله للحياة البشرية عن طريق الجهاد البشري وفي حدود الطاقة البشرية كذلك. ثم إن هذه المجاهدة وما يصاحبها من الابتلاء هي الوسيلة العملية لتمحيص الصفوف بعد تمحيص النفوس ولتنقية الجماعة من المعطلين والمعوقين والمرجفين ومن ضعاف النفوس والقلوب ومن المخادعين والمنافقين والمرائين وهذه هي الحقيقة التي شاء الله أن يعلمها للجماعة المسلمة وهي تتعرض للامتحان وتتعرض للابتلاء وتتكشف فيها خفايا النفوس كما تتميز فيها الصفوف تحت مطارق الابتلاء ومشقة التجربة ومرارة الآلام ... ولا يتم تمام القول في طبيعة هذا الدين وطريقته حتى نضيف إلى تلك الحقيقة -التي نرجو أن نكون قد كشفنا عنها في هذا البيان- تكملة ضرورية لها لا بد من بيانها كذلك: إن كون هذا المنهج الإلهي متروك تحقيقه للجهد البشري في حدود الطاقة البشرية وفي حدود الواقع المادي للحياة الإنسانية في شتى المدارج وشتى البيئات لا يعني استقلال الإنسان نهائيًا بهذا الأمر وانقطاعه عن قدر الله وتدبيره ومدده وعونه وتوفيقه وتيسيره فتصور الأمر على هذا النحو مخالف في أصوله لطبيعة التصور الإسلامي ولقد بينا فيما سلف أن الله سبحانه يساعد من يجاهد للهدى (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) وأنه يغير حال الناس حين يغيرون ما بأنفسهم وأنه لا يغير ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) وهذان النصان يوضحان لنا العلاقة بين الجهد البشري الذي يبذله الناس وعون الله ومدده الذي يسعفهم به فيبلغون به ما يجاهدون فيه من الخير والهدى والصلاح والفلاح فإرادة الله هي الفاعلة في النهاية وبدونها لا يبلغ الإنسان بذاته شيئًا ولكن هذه الإرادة تعين من يعرف طريقها ويستمد عونها ويجاهد في الله ليبلغ رضاه) [1] .
لهذا كان تأثير الجهاد في نشر الإسلام في الأرض عظيمًا يقول ابن القيم عن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم: (وبعثه بالكتاب الهادي والسيف الناصر بين يدي الساعة حتى يعبد سبحانه وحده لا شريك به وجعل رزقه تحت ظل سيفه ورمحه) ويقول رحمه الله (فإن الله سبحانه أقام دين الإسلام بالحجة والبرهان والسيف والعنان فكلاهما في نصره أخوان شقيقان) [2] .
(1) من كتاب هذا الدين لسيد قطب ص3 - 13.
(2) انظر الفروسية لابن القيم ص4.