الصفحة 212 من 317

ومنها أن يضرب عليهم الجزية ... وقد حكى أبو عبيد أنه (يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم) لم يستعبد أحرار ذكور العرب وأجمعت الصحابة بعده على استعباد أهل الكتاب ذكرانهم وإناثهم ... ) [1] .

قلت: وما ذكره أبو عبيد مرجوح لما يلي: قال صديق بن حسن البخاري: (ويجوز استرقاق العرب لأن الأدلة الصحيحة قد دلت على جواز استرقاق الكفار من غير فرق بين عربي وعجمي وذكر وأنثى ولم يقم دليل يصلح للتمسك قط في تخصيص أسرى العرب بعدم جواز استرقاقهم بل الأدلة قائمة متكاثرة على أن حكمهم حكم سائر المشركين منها حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما"أنها كانت عند عائشة سبية من بني تميم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل" [2] . وأخرج البخاري وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين جاء وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد عليهم أموالهم وسبيهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أحب الحديث إلي أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين، إما السبي، وإما المال"الحديث وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر:"أن جويرية بنت الحارث من سبي بني المصطلق كاتبت عن نفسها ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يقضي كتابتها فلما تزوجها قال الناس أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا ما بأيديهم من السبي"... والحاصل أن الواجب الوقوف على ما دلت عليه الأدلة الكثيرة الصحيحة من التخيير في كل مشرك بين القتل والمن والفداء والاسترقاق فمن ادعى تخصيص نوع منهم أو فرد من أفرادهم فهو مطالب بالدليل) [3] أما العلماء الذين عرفوا بريطانيا ومن يسير في فلكها فلم يتأثروا بدعوتها لتحرير الأرقاء وإنما أخذوا الأحكام الشرعية من مصادرها فكثير جدًا منهم العالم الجليل الشيخ محمد الأمين الشنقيطي حيث يقول: (ومن هدى القرآن للتي هي أقوم ملك الرقيق المعبر عنه القرآن بملك اليمين في آيات كثيرة كقوله تعالى:(فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) وقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) في سورة قد أفلح المؤمنون، وسأل سائل، وقوله: (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) وقوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ) الآية، وقوله جل وعلا: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ .. ) الآية وقوله: (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ) الآية، وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَيْكَ) الآية .... فالمراد بملك اليمين في جميع هذه الآيات ونحوها ملك الرقيق بالرق ومن الآيات الدالة على ملك الرقيق قوله: (ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا .. ) الآية وقوله: (وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ) الآية ونحو ذلك من الآيات. وسبب الملك بالرق هو الكفر ومحاربة الله ورسوله فإذا أقدر الله المسلمين المجاهدين الباذلين مهجهم وأموالهم وجميع قواهم وما أعطاهم الله لتكون كلمة الله هي العليا على الكفار جعلهم ملكًا لهم بالسبي إلا إذا اختار الإمام المن والفداء لما في ذلك من المصلحة على المسلمين. وهذا الحكم من أعدل الأحكام وأوضحها وأظهرها حكمة؛ وذلك أن الله جل وعلا خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه ويمتثلوا أوامره ويجتنبوا نواهيه كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ) وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة كما قال: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) ، وفي

(1) بداية المجتهد 1/ 382.

(2) قال لها الرسول ذلك لأن عليها عتق رقبة من ولد إسماعيل انظر فتح الباري 5/ 124.

(3) الروضة الندية، شرح الدرر البهية لصديق حسن 3/ 348 - 349.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت