فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الآية الأخرى في سورة النحل: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة ليشكروه كما قال تعالى: (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) فتمرد الكفار على ربهم وطغوا وعتوا وأعلنوا الحرب على رسله لئلا تكون كلمته هي العليا واستعملوا جميع المواهب التي أنعم عليها بها في محاربته وارتكاب ما يسخطه ومعاداته ومعادة أوليائه القائمين بأمره وهذا أكبر جريمة يتصورها الإنسان فعاقبهم الحكم العدل اللطيف الخبير جل وعلا عقوبة شديدة تناسب جريمتهم فسلبهم التصرف ووضعهم من مقام الإنسانية إلى مقام أسفل منه كمقام الحيوانات فأجاز بيعهم وشراءهم وغير ذلك من التصرفات المالية مع أنه لم يسلبهم حقوق الإنسانية سلبًا كليًا فأوجب على مالكيهم الرفق والإحسان إليهم وأن يطعموهم مما يطعمون ويكسوهم مما يلبسون ولا يكلفوهم من العمل ما لا يطيقون وإن كلفوهم أعانوهم كما هو معروف في السنة الواردة عنه صلى الله عليه وسلم مع الإيصاء عليهم في القرآن كما في قوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى) إلى قوله: (وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) وتشوف الشارع تشوفًا شديدًا للحرية والإخراج من الرق فأكثر أسباب ذلك كما أوجبه في الكفارات من قتل خطأ وظهار ويمين وغير ذلك وأوجب سراية العتق وأمر بالكتابة في قوله: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) ورغب في الإعتاق ترغيبًا شديدًا. ولو فرضنا (وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ) أن حكومة من هذه الحكومات التي تنكر الملك بالرق وتشنع في ذلك على دين الإسلام قام عليها رجل من رعاياها كانت تغدق عليه بالنعم وتسدى إليه جميع أنواع الإحسان ودبر عليها ثورة شديدة يريد بها إسقاط حكمها وعدم نفوذ كلمتها والحيلولة بينها وبين ما تريده من تنفيذ أنظمتها التي يظهر لها أن بها صلاح المجتمع ثم قدرت عليه بعد مقاومة شديدة فإنها تقتله شر قتلة ولا شك أن ذلك القتل يسلبه جميع تصرفاته وجميع منافعه فهو أشد سلبًا لتصرفات الإنسان ومنافعه من الرق بمراحل. والكافر قام ببذل كل ما في وسعه ليحول دون إقامة نظام الله الذي شرعه ليسير عليه خلقه فينشر بسببه في الأرض الأمن والطمأنينية والرخاء والعدالة والمساواة في الحقوق الشرعية وتنظم به الحياة على أكمل الوجوه وأعدلها وأسماها (إِنَّ اللّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) فعاقبه الله هذه المعاقبة بمنعه التصرف ووضع درجته وجريمته تجعله يستحق العقوبة بذلك. فإن قيل إذا كان الرقيق مسلمًا فما وجه ملكه بالرق مع أن سبب الرق الذي هو الكفر ومحاربة الله ورسوله قد زال- فالجواب:
إن القاعدة المعروفة عند العلماء وكافة العقلاء أن الحق السابق لا يرفعه الحق اللاحق والأحقية بالأسبقية ظاهرة لا خفاء بها، فالمسلمون عندما غنموا الكفار بالسبي ثبت لهم حق الملكية بتشريع خالق الجميع وهو الحكيم الخبير، فإذا استقر هذا الحق وثبت ثم أسلم الرقيق بعد ذلك كان حقه في الخروج من الرق بالإسلام مسبوقًا بحق المجاهد الذي سبقت له الملكية قبل الإسلام وليس من العدل والإنصاف رفع الحق السابق بالحق المتأخر عنه كما هو معلوم عند العقلاء. نعم يحسن بالمالك ويجمل به أن يعتقه إذا أسلم وقد أمر الشارع بذلك ورغب فيه وفتح له الأبواب الكثيرة كما قدمنا فسبحان الحكيم الخبير: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) فقوله صدقًا أي في الأخبار وقوله عدلًا أي في الأحكام ولا شك أن من ذلك العدل الملك بالرق وغيره من أحكام القرآن.