فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وكم من عائب قولًا صحيحًا ... وآفته من الفهم السقيم [1]
وقال رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) في سورة محمد.
لم يختلف المسلمون في جواز الملك بالرق ومعلوم أن سببه أسر المسلمين الكفار في الجهاد والله تبارك وتعالى في كتابه يعبر عن الملك بالرق بعبارة هي أبلغ العبارات في توكيد ثبوت ملك الرقيق وهي ملك اليمين لأن ما ملكته يمين الإنسان فهو مملوك له تمامًا وتحت تصرفه تمامًا كقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) وقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) ... فالمراد بملك اليمين في جميع هذه الآيات كلها الملك بالرق، والأحاديث والآيات بمثل ذلك يتعذر حصرها وهي معلومة فلا ينكر الرق في الإسلام إلا مكابر وملحد ومن لا يؤمن بكتاب الله ولا بسنة رسوله ... ومن المعلوم أن كثيرًا من أجلاء علماء المسلمين ومحدثيهم الكبار كانوا أرقاء مملوكين أو أبناء أرقاء مملوكين فهذا محمد بن سيرين كان أبوه سيرين عبدًا لأنس بن مالك وهذا مكحول كان عبدًا لامرأة من هذيل فأعتقته ومثل هذا أكثر من أن يحصى كما هو معلوم. واعلم أن ما يدعيه بعض المتعصبين لنفي الرق في الإسلام من أن آية القتال هذه دلت على نفي الرق من أصله لأنها أوجبت واحدًا من أمرين لا ثالث لهما وهما المن والفداء فقط فهو استدلال ساقط من وجهين:
أحدهما أن فيه استدلالًا بالآية على شيء لم يدخل فيها ولم تتناوله أصلًا، والاستدلال إن كان كذلك فسقوطه كما ترى، وإيضاح ذلك أن هذه الآية التي فيها تقسيم حكم الأسارى إلى منّ وفداء لم تتناول قطعًا إلا الرجال المقاتلين من الكفار لأن قوله: (فَضَرْبَ الرِّقَابِ) وقوله: (حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ) صريح في ذلك كما ترى وعلى إثخان هؤلاء المقاتلين رتب بإلقاء قوله: (فَشُدُّوا الْوَثَاقَ) الآية فظهر أن الآية لم تتناول أنثى ولا صغيرًا ألبتة ويزيد ذلك إيضاحًا أن النهي عن قتل نساء الكفار وصبيانهم ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأكثر أهل الرق في أقطار الدنيا إنما هو من النساء والصبيان. ولو كان الذي يدعي نفي الرق من أصله يعترف بأن الآية لا يمكن أن يستدل بها على شيء غير الرجال المقاتلين لقصر نفي الرق الذي زعمه على الرجال الذين أسروا في حال كونهم مقاتلين. ولو قصره على هؤلاء لم يمكنه أن يقول بنفي الرق من أصله كما ترى.
الوجه الثاني: هو ما قدمناه من الأدلة على ثبوت الرق في الإسلام [2] ، ويقول الدكتور محمد البهي: (وشأن إلغاء الرق في اتفاق دولي شأن إلغاء عقوبة الإعدام على القتل العمد أو عقوبة الزنا عند رضاء الزاني والزانية أو عقوبة قطع اليد عند سرقة النصاب من محرز عند بعض الدول فإلغاء الدول لإحدى هذه العقوبات أو جميعها لا يعيب تقدير الإسلام لعقوبات هذه الجرائم) [3] .
(1) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي 3/ 388.
(2) أضواء البيان للشنقيطي 7/ 420.
(3) الإسلام والرق للبهي ص21.