الصفحة 216 من 317

من الأحكام التي يتململ تلاميذ الاستشراق والاستعمار ومن تأثر بهم من وجودها في القرآن والسنة وكتب الفقه -وإن لم توجد الآن في الواقع المعاش- حكم الجزية فهي عندهم كالرق يعتذرون عن رب العالمين في تشريعه لها ويذهبون في الاعتذار مذاهب شتى فمنهم من يقول إن الجزية نظام قديم والإسلام هذبه ونظمه ومنهم من يقول إنها بدل الخدمة العسكرية فإذا دخل أهل الذمة في الجيش الإسلامي فلا جزية ومنهم من يقول إنها لإجل انتفاع أهل الذمة بالمرافق العامة ومنهم من يقول يدفعها الكافر لأجل ولائه [1] . وهذه الأقاويل التي ينشرها أبناء المسلمين عن الجزية أخذوها عن المستشرقين حرفيًا ولم يأخذوها من الكتاب والسنة فاستمع إلى المستشرق توماس أرنولد إذ يقول عن الجزية (لم يكن الغرض من فرض الجزية على أهل الذمة كما يريدنا بعض الباحثين على الظن لونًا من ألوان العقاب لامتناعهم عن قبول الإسلام وإنما كانوا يؤدونها مع سائر أهل الذمة وهم غير المسلمين من رعايا الدولة التي كانت تحول ديانتهم بينهم وبين الخدمة في الجيش في مقابل الحماية التي كفلتها لهم الدولة الإسلامية) [2] ، ويقول أيضًا: (وقد فرضت الجزية على القادرين من الذكور بمقابل الخدمة العسكرية التي كانوا يطالبون بأدائها، ومن الواضح أن أية جماعة مسيحية كانت تعفى من أداء هذه الضريبة إذا ما دخلت في خدمة الجيش الإسلامي) [3] ويقول جرجي زيدان: (الجزية ليست من محدثات الإسلام بل وضعها الرومان على الأمم التي أخضعوها وكانت أكثر كثيرًا مما وضعه المسلمون بعدئذ) [4] .

أما الجزية عند علماء الإسلام فلها شأن آخر على رغم أنوف المستشرقين وأذنابهم من أبناء المسلمين، يقول ابن حجر: (قال العلماء الحكمة في وضع الجزية أن الذل الذي يلحقهم يحملهم على الدخول في الإسلام مع ما في مخالطة المسلمين من الاطلاع على محاسن الإسلام [5] ، وقال البخاري: وهم صاغرون يعني أذلاء وقال الشافعي: المراد بالصغار التزام حكم الإسلام؛ يقول ابن حجر مفسرًا لكلام الشافعي: وهو يرجع إلى التفسير اللغوي لأن الحكم على الشخص بما لا يعتقده ويضطر إلى احتماله يستلزم الذل [6] ، وقال ابن القيم: (فالجزية هي الخراج المضروب على رؤوس الكفار إذلالًا وصغارًا ...

واختلف الناس في تفسير الصغار الذي يكونون عليه وقت أداء الجزية فقال عكرمة: أن يدفعها وهو قائم ويكون الآخذ جالسًا. وقالت طائفة أن يأتي بها بنفسه ماشيًا لا راكبًا وبطال وقوفه عند إتيانه بها ويجر إلى الموضع الذي تؤخذ منه بالعنف ثم تجرّ يده ويمتهن، وهذا كله مما لا دليل عليه ولا هو

(1) انظر هذه الأقاويل في كتاب الجزية في الإسلام للدكتور محمد يوسف النجرامي ص57 - 58، وكتاب حرية الاعتقاد لجمال البنا ص86، وكتاب غير المسلم في المجتمع الإسلامي للدكتور يوسف القرضاوي ص33. وكتاب العلاقات الدولية في الإسلام للدقس ص296، وكتاب شريعة القتال لعثمان الشرقاوي ص42.

(2) الدعوة إلى الإسلام لأرنولد ص79.

(3) المصدر السابق ص54.

(4) تاريخ التمدن الإسلامي لجرجي زيدان ص169.

(5) فتح الباري لابن حجر 6/ 183.

(6) المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت