الصفحة 217 من 317

مقتضى الآية ولا نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة أنهم فعلوا ذلك، والصواب في الآية أن الصغار هو التزامهم لجريان أحكام الملة عليهم وإعطاء الجزية فإن التزام ذلك هو الصغار، وقد قال الإمام أحمد في رواية حنبل كانوا يجرون في أيديهم ويخثعمون في أعناقهم إذا لم يؤدوا الصغار الذي قال الله تعالى: (وَهُمْ صَاغِرُونَ) وهذا يدل على أن الذمي إذا بذل ما عليه والتزم الصغار لم يحتج إلى أن يجر بيده ويضرب. وقد قال في رواية مهنا بن يحيى: يستحب أن يتعبوا في الجزية قال القاضي: ولم يرد تعذيبهم ولا تكليفهم فوق طاقتهم وإنما أراد الاستخفاف بهم وإذلالهم.

قلت: القائل ابن القيم -لما كانت يد المعطي العليا ويد الآخذ السفلى احترز الأئمة أن يكون الأمر كذلك في الجزية وأخذوها على وجه تكون يد المعطي السفلى ويد الآخذ العليا؛ قال القاضي أبو يعلى: وفي هذا دلالة على أن هؤلاء النصارى الذين يتولون أعمال السلطان ويظهر منهم الظلم والاستعلاء على المسلمين وأخذ الضرائب لا ذمة لهم وأن دمائهم مباحة لأن الله تعالى وصفهم بإعطاء الجزية على وجه الصغار والذل. وهذا الذي استنبطه القاضي من أصح الاستنباط فإن الله سبحانه وتعالى مد القتال إلى غاية وهي إعطاء الجزية مع الصغار فإذا كانت حالة النصراني وغيره من أهل الجزية منافية للذل والصغار فلا عصمة لدمه ولا ماله وليست له ذمة ومن ها هنا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه تلك الشروط التي فيها صغارهم وإذلالهم وأنهم متى خرجوا عن شيء منها فلا عهد لهم ولا ذمة وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل الشقاق والمعاندة) [1] .

ولقد عجبت من الشيخ أبي الأعلى المودودي رحمه الله أشد العجب عندما قرر أن لأهل الذمة انتقاد الدين الإسلامي مثل ما للمسلمين نقد مذاهبهم ونحلهم وأن لهم حرية الخطابة والكتابة ونحو ذلك [2] مع ما هو معروف عنه رحمه الله من ابتعاد عن حبائل الاستشراق والاستعمار ولكن العصمة لمن عصم الله. ولم يكن المسلمون ليرضوا من أهل الذمة القدح في الإسلام وتشويه معالمه وبلبلة أفكار المسلمين ومن اطلع على الشروط العمرية التي تلقتها الأمة الإسلامية بالقبول -وهي سنة خليفة راشد بار- عرف قدر أهل الذمة ومكانتهم في المجتمع الإسلامي قبل استئسادهم بسبب انحراف المسلمين عن دينهم حتى أصبح حال المسلمين اليوم عند الأمم الكافرة أشبه بحال أهل الذمة قديمًا عند الأمة الإسلامية بل أنكى وأشد. وها هي ذي الشروط العمرية المبينة للصغار الذي ألزم به أهل الذمة حتى يسلموا قال ابن القيم:"قال عبد الله بن الإمام أحمد حدثني شرحبيل الحمصي عيسى بن خالد قال حدثني عمر أبو اليمان وأبو المغيرة قالا أخبرنا اسماعيل بن عياش قال حدثنا غير واحد من أهل العالم قالوا: كتب أهل الجزيرة إلى عبد الرحمن بن غنم: (إنا حين قدمت بلادنا طلبنا إليك الأمان لأنفسنا وأهل ملتنا على أنا شرطنا لك على أنفسنا ألا نحدث في مدينتنا كنيسة ولا فيما حولها ديرًا ولا قلاية ولا صومعة راهب ولا نجدد ما خرب من كنائسنا ولا ما كان منها في خطط المسلمين وألا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل ولا نؤوي فيها ولا في منازلنا جاسوسًا ولا نكتم غشًا للمسلمين وألا نضرب بنواقيسنا إلا ضربًا خفيًا في جوف كنائسنا ولا نظهر عليها صليبًا ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون ولا نخرج صليبًا ولا"

(1) أحكام الذمة لابن القيم: 1/ 23 - 25.

(2) انظر كتاب أبي الأعلى المودودي (حقوق أهل الذمة في الدولة الإسلامية ص33) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت