فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وحاول بعض حكامهم السفهاء الغلاظ القضاء على الشخصية العربية. كل ذلك أثار في العرب النقمة والنخوة العربية وفي لفظ مؤلف قومي عربي: (الوجدان القومي العربي بدأ يستيقظ في نفوس أفراد من العرب في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وأول ما بدأ ذلك في ديار الشام. مهددًا بالقضاء على الحكم الأجنبي -التركي- يومئذ وعلى الإقليمية) وقد تزعم هذه الحركة وقادها بعض المسيحيين الذين لم تكن تربطهم بالأتراك رابطة العقيدة والدين المتينة ورابطة الإخاء الإسلامي وكانوا مثقفين الثقافة الغربية التي تقوم على تمجيد القومية وكان من زعمائها الأولين الدكتور فارس نمر والشيخ إبراهيم اليازجي والأستاذ نجيب العازوري اللبناني. ثم نشبت الحرب الأولى 1914 - 1918م وسنحت للأقطار العربية فرصة الانشقاق على الإمبراطورية العثمانية وانتهز الحلفاء هذه الفرصة الذهبية فنفخوا في قربة القومية وقام لورانس الداهية بدوره فأشعل الحماس القومي وأثار العرب على الأتراك وثار الشريف حسين في الحجاز وأهل الشام في الشام وفضلوا الانضمام إلى راية الحلفاء الذين لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة ولا يراعون في مسلم عهدًا ولا حرمة والذين كان يقودهم الإنجليز المجرمون الذين تلطخت أيديهم وتلوث تاريخهم بأبشع الإجرامات ضد الإسلام والمسلمين فضلوا كل ذلك على البقاء في جوار الأتراك المسلمين الذين رفعوا راية الإسلام في أوروبا خمسة قرون وأرهبوا أعداء الإسلام وكانوا على علاتهم رمز قوة الإسلام وشوكته وتناسوا نصوص القرآن والسنة القطعية التي تحرم موالاة أعداء الإسلام ضد المسلمين والقتال في صفهم واعتمدوا على الوعود الخلابة والسياسة المتقلبة [1] التي لا تعرف إلا المصلحة ولا تعبد إلا القوة وكان من قيام الحكومة العربية الهاشمية في سورية ثم نقض الحلفاء للعهود وتجاهلهم لها بتاتًا وانهيار هذه الحكومة السريع ما علمه الجميع.
ثم جاء دور مفهوم القومية العربية التي هي فكرة مستقلة وفلسفة بذاتها لها كل ما للدين من حمية وحرارة وشعائر ومقدسات فخضع لها العرب المثقفون -خصوصًا الشباب- الذين ضعفت صلتهم بالدين لأسباب كثيرة ونشأت فيهم الرغبة الشديدة لنيل المجد والعظمة في أقرب وقت ومجاراة الشعوب الحرة الراقية في مضمار المدنية والتقدم ولم يجدوا لذلك سبيلًا -بزعمهم- إلا القومية العربية ونشأ فيهم اليأس والتذمر من الأوضاع القائمة واليأس من الأمم الغربية التي أوجدت إسرائيل ولا تزال تعطف عليها وتتبناها أكثر مما تعطف على قضية العرب. فالتجأوا إلى القومية العربية كرد فعل عنيف وثورة فكرية.
ولم يقفوا عند هذا الحد ولم يقتصروا على استخدام القومية للدفاع والتنظيم كما زعم كثير من دعاتها بل غلوا في تقديس القومية العربية والتغني بها وإنكار كل ما عداها وجعلوها عقيدة وديانة يتغنون بها ويحاربون كل ما سواها ويحتقرون شأن الدين ويقللون قيمته. يمثله خير تمثيل ما قاله أحد مفسري القكرة القومية وبعض من كتب في قضية العرب في العصر الحديث يقول الكاتب وهو يعبر عن أفكار كثير من زملائه: (القضية العربية لن تكون أبدًا عند العربي المؤمن الحر العاقل الشريف الصالح الخير الأبي المترفع إلا قضية إيمان؛ إيمان بالوطن كقضية الإيمان بالله لله ليس غير) . ويتكلم عن مهمة قضية العرب وأهدافها، فيقول: (وتحارب الجهل والفقر والمرض والظلم وكل عصبية إلا عصبية القومية وتفصل الدين عن السياسة وتحرم على رجال الدين الاشتغال بها وتعلم العربي أينما كان أن يتعصب بعنف لأمرين: قوميته والحق) . ويشرح الكاتب العروبة في بيان واضح ولفظ صريح فيقول: (العروبة نفسها دين عندها
(1) لا شك أن هذه صفة السياسة في الدول العلمانية التي تعتمد السياسة الميكافلية اللاأخلاقية.