فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الإسلامية لذلك كان نشاطهم سريًا من جهة وباسم غير اسم الخروج على الحكم الإسلامي من جهة أخرى؛ كان نشاطهم يقوم باسم العروبة والقومية العربية وهو شعار يمكن أن يلتبس فيه الأمر على المسلمين العرب ولا يروا -لغفلتهم- أنه موجه ضد الإسلام وضدهم هم. كانت دعوى القومية الطورانية تحز في نفوس العرب المسلمين فينفخ الشياطين في الحزازة لتشتعل، وكان يقال لأولئك العرب المسلمين أنتم أولى بالخلافة من أولئك الطورانيين فلماذا تسكتون على الظلم لماذا لا تثورون وتستقلوا عن الأتراك. وكان عبد الحميد يقظًا للعبة كلها ولكن أحوال دولة الخلافة يومئذ وأحوال المسلمين جميعًا في العالم الإسلامي كانت أضعف من أن تصمد للكيد فمضى الكيد في سبيله حتى بلغ غايته. ولسنا هنا نؤرخ لتلك الفترة إنما نحن نتحدث عن القوميات والوطنيات ودورها في اللعبة التي أريد بها القضاء على الإسلام وإنشاء الوطن القومي لليهود في فلسطين. كان عبد الحميد يطارد تلك الجماعات السرية التي تنادي بالعروبة والقومية العربية كما يضيق على النشاط السري لحزب الاتحاد والترقي لإدراكه المقصود من ورائهما فيتخذ ذلك ذريعة لمزيد من الكيد ضده يتهم بالدكتاتورية والطغيان في داخل تركيا وباضطهاد الأقليات خارجها ويصنع من هذه وتلك مادة للدعاية ضده ونشر البغض والكراهية له تمهيدًا لما يخطط من عزله عقابًا له على عدم موافقته على إنشاء الدولة اليهودية. وجرت الأمور في مجراها المقدر في علم الله ولكن بسبب من غفلة المسلمين التي مكنت الأعداء من تنفيذ مخططاتهم والله يحذرهم في كتابه المنزل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَالُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ) ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) ومع ذلك التحذير فقد كان مسلمون يتولون اليهود في حزب الاتحاد والترقي، ومسلمون آخرون يتولون النصارى في الجمعيات السرية القائمة باسم العروبة والقومية العربية، ومسلمون آخرون يتولون (لورانس العرب) ويتبعونه وهو يدعوهم إلى قتال دولة الخلافة التي ظلت تحميهم من الغزو الصليبي قرابة أربعة قرون. يقول اللورد اللنبي قائد الجيش العربي الذي حارب الخلافة: لولا مساعدة الجيش العربي والعمال العرب ما استطعنا أن نتغلب على تركيا) [1] .
وهذه الدعوة الهدامة التي رأينا مدى صرفها لمعنى الجهاد الحقيقي ورأينا أقوال دعاتها التي تعارض الإسلام بصراحة مكشوفة حينًا وبعبارات مغلفة حينًا آخر هي التي أنشئت جامعة الدول العربية من أجلها لكي تتبناها الدول وتنشرها بما لها من هيمنة ونفوذ على الشعوب وعلى مناهج التعليم ووسائل الإعلام وقد أوعزت بريطانيا بإنشاء جامعة الدول العربية ولا توعز بريطانيا- (مصممة الغدر والفساد في العالم الإسلامي) - إلا بما يخدم مصالحها؛ يقول الأستاذ محمد قطب: (يقول جورج كيرك مؤلف كتاب موجز تاريخ الشرق الأوسط: إن القومية العربية ولدت في دار المندوب السامي البريطاني!!!) . طار إلى القاهرة أنتوني أيدن وزير الخارجية البريطانية عام 1946م ودعا الملوك والرؤساء العرب إلى الاجتماع به هناك وعرض عليهم في الاجتماع فكرة إنشاء الجامعة العربية في القاهرة لتتبنى قضايا العرب وتدافع عن مصالحهم!! وورثت أمريكا بريطانيا وفرنسا بعد الحرب وبسطت نفوذها على الشرق الأوسط وأقامت أمريكا عن طريق الانقلابات العسكرية زعامات كاملة تدافع عن القومية العربية في الوقت الذي تحارب فيه الإسلام والمسلمين، وقالت الدعاية التي أقامتها أمريكا وإسرائيل: إن أمريكا وإسرائيل لا تخشيان شيئًا
(1) مذاهب فكرية معاصرة لمحمد قطب ص15.