فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
مكافحة المستعمر -وهم قلة- لم يكافحوه إلا حين تخلى هو عنهم فلم يطمعهم السحت من يديه، ولم يبح لهم جمع الفتات من تحت قدميه، وإلا حين قهرت فيهم عزة الوطنية ذل الصوفية فقاتلوا حمية لا للدين، ثم اقرأوا ما كتب الزعيم مصطفة كامل في كتابه المسألة الشرقية: (ومن الأمور المشهورة عن احتلال فرنسا للقيروان أن رجلًا فرنساويًا دخل في الإسلام وسمى نفسه سيد أحمد الهادي واجتهد في تحصيل الشريعة حتى وصل إلى درجة عالية وعين إمامًا لمسجد كبير في القيروان، فلما اقترب الجنود الفرنساوية من المدينة استعد أهلها للدفاع عنها وجاءوا يسألونه أن يستشير لهم ضريح شيخ في المسجد يعتقدون فيه فدخل سيد أحمد الضريح ثم خرج مهولًا لهم بما سينالهم من المصائب وقال لهم بأن الشيخ ينصحكم بالتسليم لأن وقوع البلاد صار بحتًا فأتبع القوم البسطاء قوله ولم يدافعوا عن القيروان أقل دفاع بل دخلها الفرنساويون آمنين) . وحين أغار الفرنجة على المنصورة قبيل منتصف القرن السابع الهجري اجتمع زعماء الصوفية!! أتدري لماذا؟ لقراءة رسالة القشيري والمناقشة في كرامات الأولياء. من أجل ذلك يجب ألا نستغرب إذا رأينا المستعمرين يغدقون على الصوفية الجاه والمال؛ فرب مفوض سام لم يكن يرضى أن يستقبل ذوي القيمة الحقيقية من وجوه البلاد ثم تراه يسعى إلى زيارة حلقة من حلقات الذكر ويقضي هنالك زيارة سياسية تستغرق الساعات. أليس التصوف الذي على هذا الشكل يقتل عنصر المقاومة في الأمم؟
ثم إن كل من نسبت إليهم الصوفية أنهم جاهدوا في سبيل الله وعملوا على نشر الإسلام ليسوا صوفيين، وإنما حشرتهم الصوفية في زمرتها زورًا وبهتانًا، وأستاذها في ذلك الشيعة؛ لقد سمى الصوفية رسول الله صلى الله عليه وسلم صوفيًا، ومثله الخلفاء، وكل بطل عبقري فذ من المسلمين زعموا أنه صوفي هذا ليخدعوا المسلمين بهؤلاء عن زعمائهم من طواغيت الصوفية وليفتنوا المسلمين بزعمهم أن أولئك الأبطال كانوا بعض أئمة الصوفية. والتاريخ يذكر أن لقب صوفي لم يبتدع إلا في منتصف القرن الثاني الهجري وأن أول من لقب به هو أبو هاشم الكوفي) [1] .
وبهذا العرض عن موقف الصوفية من الجهاد ندرك لماذا تهتم الصليبية والصهيونية بالصوفية وتخصص علماء وكتابًا يبرزون فكر الصوفية ودعاتها وفرقها ويمجدونها. إن أخشى ما يخشاه الأعداء من الإسلام عقيدة الجهاد ويودون لو قضوا عليها قضاء مبرمًا. ونشر الفكر الصوفي والسلوك الصوفي أكبر عون لهم على ذلك؛ يقول الأستاذ محمد قطب: (والمستشرقون الذين هم الامتداد الحقيقي للمبشرين يسيرون على نفس المنوال في تبني الحركات الزائفة والمنحرفة لعلها تقطع الشجرة التي يغيظهم وجودها ورسوخها في الأرض وتحديها لكل جهد. يبذلون لوقف امتدادها وتفرعها؛ ومن هنا نجد عناية شديدة في كتب المستشرقين بما يسمى(التصوف الإسلامي) إلى حد أن يتخصص له مستشرقون مثل نيكلسون وأوليري ينفقون معظم جهدهم في هذا السبيل .. والتصوف في صورته المنحرفة الشاطحة فلأكثر من سبب يهتم به المستشرقون ويحتفلون به هذا الاحتفال. أولًا: لأنه ليس إسلاميًا في الحقيقة إنما هو مستمد من أصول غير إسلامية فارسية وهندية ويشتمل على مجموعة من المفاهيم والأفكار التي تتعارض مع الإسلام ... فالحصيلة النهائية للتصوف هي أقرب إلى الانحراف عن خط الإسلام، ومن أجل هذا يهتم به المستشرقون اهتمامًا بالغًا، ويهتمون بصفة خاصة بأصحاب الشطحات من المتصوفين لأنها انحراف عن
(1) هذه هي الصوفية للوكيل ص170 - 172.