الصفحة 79 من 317

عن حكمة الأمر بالكف عن القتال في المرحلة المكية بكلام أراه غاية في الأدب مع الله مع حسن استنباط وفهم لأهداف الإسلام وغاياته أنقله بتمامه (فأما لماذا لم يأذن الله للمسلمين في مكة بالانتصار من الظلم والرد على العدوان ودفع الأذى بالقوة وكثيرون منهم كان يملك هذا فلم يكن ضعيفًا ولا مستضعفًا ولم يكن عاجزًا عن رد الصاع صاعين مهما يكن المسلمون في ذلك الوقت قلة. أما حكمة هذا والأمر بالكف عن القتال وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والصبر والاحتمال حتى وبعض المسلمين يلقى من الأذى والعذاب ما لا يطاق وبعضهم يتجاوز العذاب طاقته فيفتن عن دينه وبعضهم لا يحتمل الاستمرار في العذاب فيموت تحت وطأته. أما حكمة هذا فلسنا في حل من الجزم بها لأننا حينئذ نتألى على الله ما لم يبين لنا من حكمه ونفرض على أوامره أسبابًا وعللًا قد لا تكن هي الأسباب والعلل الحقيقية أو قد تكون ولكن يكون وراءها أسباب وعلل أرى لم يكشف لنا عنها ويعلم سبحانه أن فيها الخير والمصلحة وهذا هو شأن المؤمن أمام أي تكليف أو أي حكم في شريعة الله لم يبين الله سببه محددًا جازمًا حاسمًا فمهما خطر له من الأسباب والعلل لهذا الحكم أو لذلك التكليف أو لكيفية تنفيذ هذا الحكم أو طريقة أداء ذلك التكليف مما يدركه عقله ويحسن فيه فينبغي أن يعتبر هذا كله مجرد احتمال ولا يجزم مهما بلغت ثقته بعلمه وعقله وتدبره لأحكام الله بأن ما رآه هو حكمة هو الحكمة التي أرادها الله نصًا وليس وراءها شيء وليس من دونها شيء فذلك التحرج هو مقتضى الأدب الواجب مع الله ومقتضى ما بين علم الله ومعرفة الإنسان من اختلاف في الطبيعة والحقيقة. وبهذا الأدب الواجب نتناول حكمة عدم فرض الجهاد في مكة وفرضيته في المدينة. نذكر ما يتراءى لنا من حكمة وسبب على أنه مجرد احتمال وندع ما وراءه لله لا نفرض على أمره أسبابًا أو عللًا لا يعلمها إلا هو ولم يحددها هو لنا ويطلعنا عليها بنص صريح أنها أسباب اجتهادية تخطئ وتصيب وتنقص وتزيد ولا نبغي بها إلا مجرد تدبر أحكام الله وفق ما تظهره لنا الأحداث في مجرى الزمان.

أ- ربما كان ذلك لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد في بيئة معينة لقوم معينين وسط ظروف معينة ومن أهداف التربية والإعداد في مثل هذه البيئة بالذات تربية نفس الفرد العربي على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم يقع على شخصه أو على من يلوذون به ليخلص من شخصه ويتجرد من ذاته ولا تعود ذاته ولا من يلوذون به محور الحياة في نظره ودافع الحركة في حياته وتربيته كذلك على ضبط أعصابه فلا يندفع لأول مؤثر كما هي طبيعته ولا يهتاج لأول مهيج ليتم الاعتدال في طبيعته وحركته وتربيته على أن يتبع مجتمعًا منظمًا له قيادة يرجع إليها في كل أمر من أمور حياته ولا يتصرف إلا وفق ما تأمره مهما يكن مخالفًا لمألوفه وعادته وقد كان هذا هو حجر الأساس في إعداد شخصية العربي لإنشاء المجتمع المسلم الخاضع لقيادة موجهة.

ب- وربما كان ذلك أيضًا لأن الدعوة السلمية أشد أثرًا وأنفذ في مثل بيئة قريش ذات العنجهية والشرف والتي قد يدفعها القتال معها في مثل هذه الفترة إلى زيادة العناد وإلى نشأة ثارات دموية جديدة كثارات العرب المعروفة التي أثارت حرب داحس والغبراء وحرب البسوس أعوامًا طويلة تفانت فيها قبائل برمتها وتكون هذه الثارات الجديدة مرتبطة في أذهانهم وذكرياتهم بالإسلام فلا تهدأ بعد ذلك أبدًا ويتحول الإسلام من دعوة إلى ثارات وذحول تنسى معها فكرته الأساسية وهو في مبدئه فلا تذكر أبدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت