فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
جـ- وربما كان ذلك اجتنابًا لإنشاء معركة ومقتلة في داخل كل بيت فلم تكن هناك سلطة نظامية عامة هي التي تعذب المؤمنين وتفتنهم إنما كان ذلك موكولًا إلى أولياء كل فرد يعذبونه هم ويفتنونه ويؤدبونه ومعنى الإذن بالقتال في مثل هذه البيئة أن تقع معركة ومقتلة في كل بيت ثم يقال هذا هو الإسلام ولقد قيلت حتى والإسلام يأمر بالكف عن القتال فقد كانت دعاية قريش في الموسم في أوساط العرب القادمين للحج والتجارة أن محمدًا يفرق بين الوالد وولده فوق تفريقه لقومه وعشيرته فكيف لو كان كذلك يأمر الولد بقتل الوالد والمولى بقتل الولي في كل بيت وكل محلة.
د- وربما كان ذلك أيضًا لما يعلمه الله من أن كثيرين من المعاندين الذين يفتنون أوائل المسلمين عن دينهم ويعذبونهم ويؤذونهم هم بأنفسهم سيكونون من جند الإسلام المخلص بل من قادته ألم يكن عمر بن الخطاب من بين هؤلاء.
ه- وربما كان ذلك أيضًا لأن النخوة العربية في بيئة قبلية من عادتها أن تثور للمظلوم الذي يحتمل الأذى ولا يتراجع وبخاصة إذا كان الأذى واقعًا على كرام الناس فيهم وقد وقعت ظواهر كثيرة تثبت صحة هذه النظرة في هذه البيئة فابن الدغنة لم يرض أن يترك أبا بكر وهو رجل كريم يهاجر ويخرج من مكة ورأى في ذلك عارًا على العرب وعرض عليه جواره وحمايته وآخر هذه الظواهر نقض صحيفة الحصار لبني هاشم في شعب أبي طالب بعدما طال عليهم الجوع واشتدت المحنة بينما في بيئة أخرى من البيئات ذات الحضارة القديمة التي مردت على الذل قد يكون السكوت على الأذى مدعاة للهزء والسخرية والاحتقار من البيئة وتعظيم المؤذي الظالم المعتدي.
و- وربما كان ذلك أيضًا لقلة عدد المسلمين حينذاك وانحصارهم في مكة حيث لم تبلغ الدعوة إلى بقية الجزيرة أو بلغت أخبارها متناثرة حيث كانت القبائل تقف على الحياد من معركة داخلية بين قريش وبعض أبنائها حتى ترى ماذا يكون مصير الموقف ففي مثل هذه الحال قد تنتهي المعركة المحدودة إلى قتل المجموعة المسلمة القليلة حتى ولو قتلوا هم أضعاف من سيقتل منهم ويبقى الشرك وتنمحي الجماعة المسلمة ولم يقم في الأرض للإسلام نظام ولا وجد له كيان واقعي وهو دين جاء ليكون منهج حياة وليكون نظامًا واقعيًا عمليًا للحياة.
ز- في الوقت ذاته لم يكن هناك ضرورة قاهرة ملحة لتجاوز هذه الاعتبارات كلها والأمر بالقتال ودفع الأذى لأن الأمر الأساسي في هذه الدعوة كان قائمًا وقتها ومحققًا هذا الأمر الأساسي وهو وجود الدعوة. وجودها في شخص الداعية صلى الله عليه وسلم وشخصه في حماية سيوف بني هاشم فلا تمتد إليه يد إلا وهي مهددة بالقطع والنظام القبلي السائد يجعل كل قبيلة تخشى أن تقع في حرب مع بني هاشم إذا هي امتدت يدها إلى محمد صلى الله عليه وسلم فكان شخص الداعية من ثم محميًا حماية كافية وكان الداعية يبلغ دعوته إذن في حماية سيوف بني هاشم ومقتضيات النظام القبلي ولا يكتمها ولا يخفيها ولا يجرؤ أحد على منعه من إبلاغها وإعلانها في ندوات قريش في الكعبة ومن فوق جبل الصفا وفي اجتماعات عامة ولا يجرؤ أحد على سد فمه ولا يجرؤ أحد على خطفه وسجنه أو قتله ولا يجرؤ أحد على أن يفرض عليه كلامًا بعينه يقوله يعلن فيه بعض حقيقة دينه ويسكت عن بعضها وحين طلبوا إليه أن يكف عن سب آلهتهم وعيبها لم يكف وحين طلبوا إليهم أن يسكت عن عيب دين آبائهم وأجدادهم وكونهم في جهنم لم يسكت وحين طلبوا إليه أن يدهن فيدهنوا أي يجاملهم فيجاملوه بأن يتبع بعض تقاليدهم ليتبعوا هم