الصفحة 82 من 317

بل قال فإن تولوا فخذوهم الآيات وكذلك من هادنهم لم يكونوا مأمورين بقتاله وإن كانت الهدنة عقدًا جائزًا غير لازم) [1] . ويدل على هذه المرحلة أيضًا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ يقول ابن تيمية رحمة الله عليه: (فمن المعلوم من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم الظاهر علمه عند كل من له علم بالسيرة أنه صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة لم يحارب أحدًا من أهل المدينة بل وادعهم حتى اليهود خصوصًا بطون الأوس والخزرج فإن كان يسالمهم ويتألفهم بكل وجه وكان الناس إذ قدمها على طبقات منهم المؤمن وهم الأكثرون ومنهم الباقي على دينه وهو متروك لا يحارب ولا يحارب وهو والمؤمنون من قبيلته وحلفائهم أهل سلم لا أهل حرب حتى حلفاء الأنصار أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على حلفهم) [2] .

4 -المرحلة الرابعة:

قتال جميع الكفار على اختلاف أديانهم وأجناسهم ابتداء وإن لم يبدأوا بقتال حتى يسلموا أو يدفعوا الجزية على خلاف بين العلماء فيمن تؤخذ منه الجزية سيأتي تفصيله. وهذه المرحلة بدأت من انقضاء أربعة أشهر من بعد حج العام التاسع من الهجرة ومن بعد انقضاء العهود المؤقتة وتوفى الرسول صلى الله عليه وسلم والعمل على هذه المرحلة الأخيرة وعليها استقر حكم الجهاد ومن أدلتها قوله تعالى (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [3] .

وقوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [4] . وقوله صلى الله عليه وسلم"اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال .. الحديث" [5] . وقوله صلى الله عليه وسلم"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" [6] .

وهذه المراحل قد ذكرها علماء الإسلام في مؤلفاتهم من كل مذهب يقول السرخسي: (وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مأمورًا في الابتداء بالصفح والإعراض عن المشركين قال الله تعال:(فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) وقال تعالى: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) ثم أمر بالدعاء إلى الدين بالوعظ والمجادلة بالأحسن فقال تعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ثم أمر بالقتال إذا كانت البداية منهم فقال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) أي أذن لهم في الدفع وقال تعالى: (فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) وقال تعالى: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) ثم أمر بالبداية بالقتال فقال تعالى:

(1) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (1: 73) .

(2) الصارم المسلول لابن تيمية (ص99) .

(3) التوبة: 5.

(4) التوبة: 29.

(5) مسلم مع النووي (12: 38) .

(6) صحيح مسلم مع النووي (1: 212) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت