الصفحة 83 من 317

(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ) وقال تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله فاستقر الأمر على فرضية الجهاد مع المشركين وهو فرض قائم إلى قيام الساعة" [1] .

وقال الشافعي وأنزل الله عز وجل فيما يثبته به إذا ضاق من أذاهم"ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين"ففرض عليه إبلاغهم وعبادته ولم يفرض عليه قتالهم وأبان ذلك في غير آية من كتابه ... ثم أذن الله عز وجل لهم بالجهاد ... ثم أذن لهم بأن يبتدوا المشركين بقتال قال الله عز وجل (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ ... الآية) . وأباح لهم القتال بمعنى أبانه في كتابه فقال (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) ... ولما مضت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مدة من هجرته أنعم الله فيها على جماعات باتباعه حدثت لهم بها مع عون الله عز وجل قوة بالعدد لم يكن قبلها ففرض الله عز وجل عليهم الجهاد بعد إذ كان إباحة لا فرضًا فقال تبارك وتعالى كتب عليكم القتال .. الآية) [2] .

وقال ابن رشد (وأول ما بعث الله نبيه عليه السلام بالدعاء إلى الإسلام من غير قتال أمره به ولا أذن له فيه ولا جزية أحلها له فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك عشر سنين وهي التي أقام بمكة وحينئذ أنزل الله فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين وقوله فاعف عنهم واصفح وقوله لا إكراه في الدين وما أشبه ذلك من الآيات فلما هاجر إلى المدينة أذن الله تعالى له وللمؤمنين بقتال من قاتله وأمرهم بالكف عمن لم يقاتلهم فقال تعالى:(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) وقال تعالى: (فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ) وقال تعالى: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) فكانت هذه سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين منذ هاجر إلى المدينة إلى أن نزلت سورة براءة وذلك بعد ثمان من الهجرة قاموا لله تعالى فيها بقتال جميع المشركين من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وقال صلى الله عليه وسلم في المجوس سنوا بهم سنة أهل الكتاب إلا من كان له عهد عند النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله أتمه له إلى مدته فقال: (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) وفرض الله عز وجل الجهاد حينئذ على جميع المسلمين كافة فقال تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً) . واعلموا أن الله مع المتقين) [3] .

وقال ابن تيمية ( ... فكان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر مأمورًا أن يجاهد الكفار بلسانه لا بيده فيدعوهم ويعظهم ويجادلهم بالتي هي أحسن ويجاهدهم بالقرآن جهادًا كبيرًا قال تعالى في سورة الفرقان وهي مكية(فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) وكان مأمورًا بالكف عن قتالهم لعجزه وعجز المسلمين عن ذلك ثم لما هاجر إلى المدينة وصار له بها أعوان أذن له في الجهاد ثم لما قووا كتب عليهم القتال ولم يكتب عليهم قتال من سالمهم لأنهم لم يكونوا يطيقون قتال جميع الكفار فلما فتح الله مكة وانقطع قتال قريش

(1) المبسوط للسرخسي (10: 2) .

(2) أحكام القرآن لللشافعي (2: 9 - 19) .

(3) مقدمات ابن رشد (1: 371 - 372) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت