فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الحكم مستند إلى الفكرة التي يؤمن بها ويعتقد أن فيها سعادة للبشر لأنه لا يتسنى له العمل بموجب عقيدته والسير على منهاجه إلا بهذا الطريق وإذا رأيت رجلا لا يسعى وراء غايته أو يغفل عن هذا الواجب فاعلم أنه كاذب في دعواه ولما يدخل الإيمان في قلبه وبهذا المعنى ورد في التنزيل (عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ، لاَ يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ، إِنَّمَا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) وأي شهادة أصدق وأي حجة أنصع من شهادة القرآن وحجته ففي هذه الآيات من سورة براءة قد نص القرآن الكريم على أن الذي لا يلبي نداء الجهاد ولا يجاهد بماله ونفسه في سبيل إعلاء كلمة الله وإقامة الدين الذي ارتضاه لنفسه وتوطيد نظام الحكم المبني على قواعده فهو في عداد الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون. لعلك تبينت مما أسلفنا آنفًا أن غاية الجهاد في الإسلام هي هدم بنيان النظم المناقضة لمبادئه وإقامة حكومة مؤسسة على قواعد الإسلام في مكانها واستبدالها بها وهذه المهمة مهمة إحداث انقلاب إسلامي عام غير منحصرة في قطر دون قطر بل مما يريده الإسلام ويضعه نصب عينيه أن يحدث هذا الانقلاب الشامل في جميع أنحاء المعمورة. هذه غايته العليا ومقصده الأسمى الذي يطمح إليه ببصره إلا أنه لا مندوحة للمسلمين أو أعضاء الحزب الإسلامي عن الشروع في مهمتهم بإحداث الانقلاب المنشود والسعي وراء تغيير نظم الحكم في بلادهم التي يسكنونها. أما غايتهم العليا وهدفهم الأسمى فهو الانقلاب العالمي الشامل المحيط بجميع أنحاء الأرض وذلك أن فكرة انقلابية لا تؤمن بالقومية بل تدعو الناس جميعًا إلى سعادة البشر وفلاح الناس أجمعين لا يمكنها أصلًا أن تضيق دائرة عملها في نطاق محدود من أمة أو قطر بل الحق أنها مضطرة بسجيتها وجبلتها أن تجعل الانقلاب العالمي غايتها التي تضعها نصب عينها ولا تغفل عنها طرفة عين فإن الحق يأبى الحدود الجغرافية ولا يرضى أن ينحصر في حدود ضيقة اخترعها علماء الجغرافية واصطلحوا عليها) [1] .
وهناك أهداف وحكم للجهاد كلها تابعة للهدف الرئيسي الذي تقدم آنفًا وتصب فيه منها على سبيل المثال:
1 -رد اعتداء المعتدين على المسلمين
قال تعالى (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [2] .
وقال تعالى: (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ) [3] .
وقال صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه قال: (إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء تقرؤه نائمًا ويقظان وإن الله أمرني أن أحرق قريشًا فقلت ربي إذًا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة قال استخرجهم كما
(1) مقتطفات من كلام أبي الأعلى المودودي نقلها سيد في الظلال (3: 1448 - 1451) .
(2) البقرة: 190.
(3) التوبة: 13.