الصفحة 98 من 317

استخرجوك واغزهم نغزك وأنفق فسننفق عليك وابعث جيشًا نبعث خمسة مثله وقاتل بمن أطاعك من عصاك .. الحديث) [1] .

وقد تقدم معنا أن علماء الإسلام أجمعوا على أن رد اعتداء الكفار عن المسلمين فرض عين على كل قادر.

2 -إزالة الفتنة عن الناس حتى يستمعوا إلى دلائل التوحيد من غير عائق وحتى يروا نظام الإسلام مطبقًا ليعرفوا ما فيه من عدل وإصلاح للبشر وما فيه من سمو في شتى المجالات. والفتنة ثلاثة أنواع:

النوع الأول: ما يمارسه الكفار من أشكال التعذيب والتضييق على المسلمين ليرتدوا عن دينهم. وقد ندب الله المسلمين للجهاد لإنقاذ المستضعفين. قال تعالى: (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا) [2] .

النوع الثاني: هو الأوضاع والأنظمة الشركية وما ينتج عنها من فساد في شتى مجالات الحياة فإن هذه من شأنها أنها تفتن المسلم عن دينه لذلك صارت إزالتها هي الهدف الرئيسي للجهاد كما سبق أن بينا أن أكثر السلف يفسرون الفتنة في قوله تعالى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ) بالشرك. ومن فسر الفتنة بما يمارسه الكفار لصد المسلم عن دينه من أنواع التعذيب فلا منافاة بين قوله وقول الفريق الأول؛ فإزالة الشرك مقصودة ورفع الفتنة عن المسلمين وانقاذ المستضعفين مقصود كذلك وقد دل على كلا الأمرين الكتاب والسنة وإجماع فقهاء الأمة كما تقدم. ومن هذا الباب إخضاع أهل الجزية لأحكام الإسلام ومنعهم من المجاهرة بدينهم ومنعهم من التعامل بالربا والزنا ونحو ذلك لأن هذه الأوضاع من شأنها أنها تفتن المسلم عن دينه وقد أمر الله المسلمين بالجهاد حتى تزول الفتنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم لما صالح أهل نجران أرسل إليهم من الصحابة من يقيم على البلاد حكم الإسلام إلا في أمور النصارى الخاصة بهم داخل كنائسهم واشترط عليهم ألا يتعاملوا بالربا فإن تعاملوا به فذمة الرسول صلى الله عليه وسلم منهم بريئة [3] . ومن إزالة الفتنة عن المسلمين فك أسراهم فإن من شأن الكفار أنهم يفتنون الأسرى عن دينهم لذلك قال الفقهاء إن فك الأسير فرض عين على المسلمين ويتيعن عليهم الجهاد حتى يستنقذوا أسرى المسلمين جميعًا [4] . وقال ابن بطال فكاك الأسير واجب على الكفاية وبه قال الجمهور [5] .

قلت معلوم أن فرض الكفاية إذا لم يقم به من يكفي صار فرض عين على القادر حتى تحصل الكفاية فإزالة الفتنة عن المسلمين وإعزاز المسلمين وإذلال الكافرين كلها من مقصود الجهاد. وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه رفع إليه ذمي نخس دابة عليها امرأة مسلمة فرمحت فأسقطتها فانكشف

(1) صحيح مسلم مع شرح النووي (17: 198) .

(2) النساء: 75.

(3) انظر الخراج لأبي يوسف (ص77) .

(4) انظر القوانين الفقهية لابن جزي المالكي (ص126) .

(5) فتح الباري لابن حجر (6: 116) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت