فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
بعض عورتها فأمر بصلبه في الموضع [1] . وقول الله تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) دليل على أن إلزام الكفار الذلة والصغار من أهداف الجهاد الإسلامي وكذلك إعزاز المسلمين ورفع المهانة عنهم فقد كان من أسباب طرد الرسول صلى الله عليه وسلم ليهود بني قينقاع أن منهم رجلًا كشف عورة امرأة مسلمة ليضحك الناس عليها فقتله رجل من المسلمين كان حاضرًا فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم قتل ذلك اليهودي الذي رام إذلال المسلمة بل كان أن يقتل بقية يهود بني قينقاع حتى شفع فيهم رأس النفاق بالمدينة لعنه الله وأخزاه فترك الرسول صلى الله عليه وسلم قتلهم لمقاصد شرعية وأجلاهم عن المدينة [2] .
النوع الثالث: فتنة الكفار أنفسهم وصدهم عن استماع الحق وقبوله وذلك أن الأنظمة والحكومات الشركية تقيم حاجزًا بين الناس واستماع الحق أو قبوله بتخريبها لفطر الناس بما تشرعه لهم من مناهج في شتى مجالات الحياة فإذا فسدت فطر الناس وعقولهم قل أن يستجيبوا للهدى وإذا تربى جيل على الذلة والمهانة والعبودية للخلق من دون الخلق وتربى على الإدمان على الخمر والتمرغ في وحل الجنس والتحلل من الأخلاق الفاضلة قل أن يرتفع إلى مستوى النفس البشرية السوية التي تعرف المعروف من المنكر وتحب الخير وتبغض الشر إلا أن يتداركه الله برحمة منه. لذا كان من أهداف الجهاد إزالة الفتنة عن الكفار أنفسهم بالإضافة إلى إزالتها عن المسلمين من باب أولى فإذا زالت الفتنة عن الكفار المحكومين من قبل الطغاة المتألهين الذي يشرعون ما يفسد الفطرة البشرية لكي يضمنوا عبوديتها لهم رجي إسلامهم واستجابتهم لداعي الهدى لا سيما إذا عاشوا في المجتمع الإسلامي الذي يخضع لتشريعات الله العليم الخبير خالق النفس البشرية والعالم بما يصلحها وهذا طرف من الحكمة الإلهية في تشريع الجزية على أهل الكتاب والمجوس لإعطائهم فرصة تصلح فيها فطرهم بتطبيقها لتشريعات الإسلام العامة ومخالطة المسلمين ومعرفة ما في الدين الإسلامي من تكريم للنفس البشرية وانتشالها من القبائح إلى الفضائل ومن عبادة الخلق والشيطان والهوى إلى عبادة الحي القيوم.
3 -حماية الدولة الإسلامية من شر الكفار ومن الأدلة على هذا الهدف العظيم ما رواه الإمام أحمد بسنده عن ابن عبد الله بن أنيس عن أبيه رضي الله عنه قال دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنه قد بلغني أن خالد ابن سفيان بن نبيح يجمع لي الناس ليغزوني وهو بعرنة فأته فاقتله قال قلت يا رسول الله انعته لي حتى أعرفه قال إذا رأيته وجدت له أقشعريرة قال فخرجت متوشحًا بسيفي حتى وقعت عليه وهو بعرنة مع ظعن يرتاد لهن منزلًا وحين كان وقت العصر فلما رأيته وجدت ما وصف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأقشعريرة فأقبلت نحوه وخشيت أن يكون بيني وبينه محاولة تشغلني عن الصلاة فصليت وأنا أمشي نحوه أومئ برأسي الركوع والسجود فلما انتهيت له قال من الرجل قلت رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لهذا قال أجل أنا في ذلك قال فمشيت معه شيئًا حتى إذا أمكنني حملت عليه السيف حتى قتلته ثم خرجت وتركت ظعائنه مكبات عليه فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآني فقال أفلح الوجه قال قلت قتلته يا رسول الله قال صدقت قال ثم قام معي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل في بيته فأعطاني عصا فقال أمسك هذه عندك يا عبد الله بن أنيس قال فخرجت بها على الناس فقالوا ما هذه العصا قال قلت أعطانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرني أن أمسكها قالوا أولا ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتسأله عن ذلك
(1) تفسير القرطبي (8: 83) .
(2) انظر البداية والنهاية لابن كثير (4: 3) .