والأنبياء - عليهم السلام - تكون لهم أكثر من آية، وتتمايز هذه الآيات في عظمتها، لذا لا يلزم أن تكون كل آية من آياتهم مما برع فيه أقوامُهم، وإنما يقال: مما يدركه أقوامهم، فعيسى - عليه السلام - كان يحيي الموتى بإذن الله، ويبرئ الأكمه بإذن الله، وكذلك كان يخبر قومه بما يدَّخرونه في بيوتهم، فهل برع القوم في كل هذه الأمور؟! [1]
وكذا نبينا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم -؛ كانت أعظم آياته القرآن الكريم، وكان من آياته انشقاق القمر، والإسراء إلى بيت المقدس، والمعراج إلى السماء، وغيرها كثيرٌ، فهل برع العرب في كل موضوع هذه الآيات؟!
لذا فإن الأصوَب أن يُقال: إن مقام النظر أن تكون الآية مما يدركها قوم النبي سواء برعوا فيها أو لم يبرعوا، تحدَّى بها النبي، أو لم يتحدَّ بها، عارضها قومه أو لم يعارضوها، كانت ابتداءً أو كانت بطلب من القوم.
(1) يذكر بعض العلماء أن قوم عيسى - عليه السلام - قد برعوا في الطبِّ، وليس لهذه المعلومة أصلٌ صحيحٌ، فقومه هم اليهود، ولم يشتهر اليهود بالطبِّ، ولعل قولهم هذا كان نتيجة لمقدمة عقلية (أي: أن كل نبي يأتي بمعجزة من جنس ما برع فيه قومه) ، وكانت معجزة عيسى - عليه السلام - تتعلق بإبراء المرضى وإحياء الموتى، فظنوا في قوم عيسى - عليه السلام - معرفة الطبِّ والعناية به، وإلا فما الذي برع فيه قوم عيسى - عليه السلام - لما قال لهم إنه يُخبرهم بما يدَّخرون في بيوتهم؟!