فهرس الكتاب
فلم يكن في الإسلام فتحٌ قبلَ فتح الحديبية أعظمَ منه, وإنما كان الكفر حيث القتال, فلما أمن الناس كلهم؛ كلّم بعضُهم بعضًا، وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يكن أحدٌ في الإسلام يعقِل شيئًا إلا بادر إلى الدخول فيه، فلقد دخل في تلك السنتين مثلُ مَن كان دخل في الإسلام قبل ذلك أو أكثر. ويدل عليه أنه - صلى الله عليه وآله وسلم - خرج في الحديبية في ألف وأربعِمائة، ثم خرج بعد سنتين إلى فتح مكة في عشرةِ آلاف.
وقبل أن يظهر لأصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أبعاد الفتح العظيم؛ عزم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - على الرجوع إلى المدينة؛ وأمر الصحابة بذبح الهدْي والعود إلى المدينة، فكرهوا عودتهم من غير أن يأتوا البيت، فيحققوا رؤيا النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، فأتى عمرُ - رضي الله عنه - النبيَّ - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال له: «أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟» ، قَالَ: «بَلَى» ، قَالَ: «أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ، وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ» ، قَالَ: «بَلَى» ، قَالَ: «فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟» ، قَالَ: «إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي» ، قَالَ: «أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي البَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟» قَالَ: «بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ العَامَ» ، قَالَ: «لَا» ، قَالَ: «فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ» (رواه البخاري) .