فلله ما أحلى هذه الألفاظ وما ألصقها بالقلوب وما أعظمها جذبًا لها وتسييرًا إلى ربها، وما ألطف موقعها من قلب كل محب وما أعظم غني القلب وأطيب عيشه حين تباشره معانيها، فنسأل الله من فضله! ...
وقال تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلًا وعد الله الحسنى وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا * درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورًا رحيمًا} [النساء 95 - 96] ، فنفى سبحانه وتعالى التسوية بين المؤمنين القاعدين عن الجهاد وبين المجاهدين، ثم أخبر عن تفضيل المجاهدين على القاعدين درجة ثم أخبر عن تفضيلهم عليهم درجات) [الدعوة إلى الجهاد في القرآن والسنة لابن حميد] .
وأخبر سبحانه أنه {اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} وأعاضهم عليها الجنة، وأن هذا العقد والوعد قد أودعه أفضل كتبه المنزلة من السماء وهي التوراة والإنجيل والقرآن، ثم أكد ذلك بإعلامهم أنه لا أحد أوفى بعهده منه تبارك وتعالى ثم أكد ذلك بأن أمرهم بأن يستبشروا ببيعهم الذي عاقدوه عليه ثم أعلمهم أن ذلك هو الفوز العظيم.
فليتأمل العاقد مع ربه عقد هذا التبايع ما أعظم خطره وأجلّه، فإن الله عز وجل هو المشتري، والثمن جنات النعيم والفوز برضاه والتمتع برؤيته هناك، والذي جرى على يده هذا العقد أشرف رسله وأكرمهم عليه من الملائكة والبشر.
وإن سلعةً هذا شأنها لقد هيئت لأمرٍ عظيمٍ وخطبٍ جسيمٍ:
قد هيؤوك لأمرٍ لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
مهر المحبة والجنة بذل النفس والمال لمالكهما الذي اشتراهما من المؤمنين، فما للجبان المعرض المفلس وسوم هذه السلعة! بالله ما هزلت فيستامها المفلسون ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون لقد أقيمت للعرض في سوق من يريد فلم يرض ربّها لها بثمن دول بذل النفوس فتأخر البطالون وقام المحبّون ينتظرون أيّهم يصلح أن يكون نفسه الثمن، فدارت السلعة بينهم ووقعت في يد {أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين} .
لما كثر المدعون للمحبة، طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يعطى الناس بدعواهم، لادعى الخليّ حرفة الشجي، فتنوع المدعون في الشهود، فقيل: لا تثبت هذه الدعوى إلا ببينة {قل إن كنتم تحبّون الله فاتبعوني يحببكم الله} فتأخر الخلق كلّهم، وثبت أتباع الرسول في أفعاله وأقواله وهديه وأخلاقه فطولبوا بعدالة البينة وقيل: لا تقبل العدالة إلا بتزكية {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائمٍ} فتأخر أكثر المدعين للمحبة وقام المجاهدون فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم فسلموا ما وقع عليه العقد فإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وعقد التبايع يوجب التسليم من الجانبين، فلما رأى التجار عظمة المشترى وقدر الثمن وجلالة قدر من جرى عقد التبايع على يديه ومقدار الكتاب الذي أثبت فيه هذا العقد عرفوا أن للسلعة قدرًا وشأنًا ليس لغيرها من السلع، فرأوا من