فلم يرض الله من محبيه بهذا بل أمرهم أن يبذلوا له نفوسهم بعد أن بذلوا له محبوباتها.
ثالثًا: فبذل النفس آخر المراتب فإن العبد يبذل ماله أولًا يقي به نفسه فإذا لم يبق له مال بذل نفسه، فكان تقديم المال على النفس في الجهاد مطابقًا للواقع.
وأما قوله: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} [سورة التوبة: الآية 111] ، فكان تقديم الأنفس هو الأولى لأنها هي المشتراة في الحقيقة وهي مورد العقد، وهي السلعة التي استامها ربها وطلب شراءها لنفسه وجعل ثمن هذا العقد رضاه وجنته، فكانت هي المقصود بعقد الشراء والأموال تبع لها، فإذا ملكها مشتريها ملك مالها، فإن العبد ومايملكه لسيده ليس له فيه شيء. فالمالك الحق إذا ملك النفس ملك أموالها ومتعلقاتها، فحسن تقديم النفس على المال في هذه الآية حسنًا لا مزيد عليه [انظر بدائع الفوائد لابن القيم] .
ويقول الله تعالى: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئًا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلًا إلا كُتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين * ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديًا إلا كُتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون} [التوبة: 120 - 121] ، فحركات المجاهدين في سبيل الله وسكناتهم وجوعهم وظمأهم وتعبهم ونفقاتهم صغرت أم كبرت وإغاظتهم الكفار بأي نوع من أنواع الأذى المشروع الذي يلحقونه بهم، كل ذلك يكتبه الله لهم عملًا صالحًا ويجزيهم أحسن ما كانوا يعملون، لأن المجاهدين في سبيل الله لا يرغبون بأنفسهم عن نفس نبيهم صلى الله عليه وسلم التي بذلها طيلة حياته في سبيل ربه، وكذلك لا يرغبون بأنفسهم عن أنفس قادتهم المجاهدين التي يبذلونها في سبيل ربهم مقتدين بنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم لذلك كان لهم هذا الفضل العظيم الذي فضّل الله كل دقيقة من عملهم وجليلة في سبيل الله ليغريهم بثوابه الشامل وفضله العميم [الجهاد في سبيل الله حقيقته وغايته للدكتور عبد الله القادري 1/ 119] .
ومما ورد في السنة من فضائل الجهاد:
ماجاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يارسول الله أي العمل أفضل؟ قال: (( الصلاة على ميقاتها ) )قلت: ثم أي؟ قال: (( ثم بر الوالدين ) )قلت: ثم أي؟ قال: (( الجهاد في سبيل الله ) )فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني [رواه البخاري] .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: يارسول الله؛ نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟! قال: (( لكُنَّ أفضل الجهاد حج مبرور ) ) [رواه البخاري] .
وعن ابن الخصاصية رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبايعه على الإسلام فاشترط عليّ أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وتصلي الخمس وتصوم رمضان وتؤدي الزكاة وتحج البيت وتجاهد في سبيل الله، قلت: يا رسول الله أما اثنتان فلا أطيقهما! أما الزكاة فما لي إلا عشر ذودٍ هُنَّ رِسل أهلي [الرسل: اللبن] ، وحمولتهم. وأما الجهاد فيزعمون أن من ولّى فقد باء بغضب من الله فأخاف إن حضرني قتال كرهت الموت وخشعت نفسي. قال: فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم حركها ثم قال: (( لا