الصفحة 7 من 51

والعمارة نوعان: عمارة معنوية وتكون بالذكر والدعاء والطواف والصلاة وتلاوة القرآن وحلقات العلم وغير ذلك، وعمارة حسية تكون ببناء المساجد وتوسعتها وتنظيفها وصيانتها وتبخيرها وغير ذلك.

وقد فقِه هذا المعنى الإمام المجاهد عبد الله ابن المبارك رحمه الله - حينما سطر قصيدته الرائعة وهو في أرض الجهاد والرباط وساقها إلى عابد الحرمين الفضيل بن عياض رحمه الله - وهو في مكة بجوار الحرم، قال ابن المبارك:

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت أنك بالعبادة تلعب

من كان يخضب خده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضب

أو كان يتعب خيله في باطل ... فخيولنا يوم الكريهة تتعب

ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... رهج السنابك والغبار الأطيب

ولقد أتانا من مقال نبينا ... قول صحيح صادق لا يُكذب

لا يستوي وغبار خيل الله في ... أنف امرئ وغبار نار تلهب

هذا كتاب الله ينطق بيننا ... ليس الشهيد بميت لا يكذب

فلما وصلت القصيدة إلى الفضيل ذرفت عيناه وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصحني [انظر سير أعلام النبلاء للذهبي 8/ 412] .

وفي هذه الآيات قدّم الله عزوجل الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس - وفي أكثر من موضع في كتابه - ولم يقدم سبحانه الجهاد بالنفس على الجهاد بالمال إلا في موضع واحد وهو قوله عزوجل: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة .. } الآية [التوبة:111] ، فمالحكمة في ذلك؟

أولًا: هذا دليل على وجوب الجهاد بالمال، كما يجب بالنفس، فإذا دهم العدو وجب على القادر الخروج بنفسه، فإن كان عاجزًا وجب عليه أن يغزو بماله وفي هذا إنكار وهم من يتوهم أن العاجز بنفسه إذا كان قادرًا على أن يغزو بماله لا يجب عليه شيء.

ولو قيل: إن وجوبه بالمال أعظم وأقوى من وجوبه بالنفس لكان هذا القول أصح من قول من قال لا يجب بالمال وهذا بيّن، وعلى هذا فتظهر فائدة تقديمه في أكثر الآيات.

ثانيًا: على تقدير عدم الوجوب، فإن المال محبوب النفس ومعشوقها التي تبذل ذاتها في تحصيله وترتكب الأخطار وتتعرض للموت في طلبه، وهذا يدل على أنه هو محبوبها ومعشوقها، فندب الله تعالى محبيه المجاهدين في سبيله إلى بذل معشوقهم ومحبوبهم في مرضاته، فإن المقصود أن يكون الله هو أحب شيء إليهم ولا يكون في الوجود شيء أحب إليهم منه فإذا بذلوا محبوبهم في حبه نقلهم إلى مرتبة أخرى أكمل منها وهي بذل نفوسهم له وهذا غاية الحب! فإن الإنسان لا شيء أحب إليه من نفسه، فإذا أحب شيئًا بذل له محبوبه من نفعه وماله، فإذا آل الأمر إلى بذل نفسه ضنّ بنفسه وآثرها على محبوبه هذا هو الغالب، وهو مقتضى الطبيعة الحيوانية والإنسانية، ولهذا يدافع الرجل عن ماله وأهله وولده فإذا أحس بالمغلوبية والوصول إلى مهجته ونفسه فرّ وتركهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت