لقد حاول المنافقون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قلب الحقائق ووصف الجهاد بالفتنة، ولكن الله رد عليهم بآيات محكمات في كتابه سبحانه وتعالى وفضحهم ومن بَعدهم من أهل الزيغ والضلال الذين فتنتهم الدنيا وكرهوا لقاء الله والدار الآخرة، فقال تعالى {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} (التوبة: 49) قال السعدي رحمه الله في تفسيره"أي: ومن هؤلاء المنافقين من يستأذن في التخلف ويعتذر بعذر آخر عجيب. فيقول: {ائْذَنْ لِي} في التخلف {وَلَا تَفْتِنِّي} في الخروج. فإني إذا خرجت فرأيت نساء بين الأصفر لا أصبر عنهن، كما قال ذلك"الجد بن قيس". ومقصوده في قلبه - قبحه اللّه - الرياء والنفاق ويعبر بلسانه بأن مقصودي مقصود حسن، فإن في خروجي فتنة وتعرضا للشر، وفي عدم خروجي عافية وكفا عن الشر. قال اللّه تعالى - مبينا كذب هذا القول - {أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} . فإنه على تقدير صدق هذا القائل في قصده، فإن في التخلف مفسدة كبرى، وفتنة عظمى محققة، وهي: معصية اللّه، ومعصية رسوله، والتجري على الإثم الكبير، والوزر العظيم. وأما الخروج فمفسدة قليلة بالنسبة للتخلف، وهي متوهمة. مع أن هذا القائل قصده التخلف لا غير، ولهذا توعدهم اللّه بقوله: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} ليس لهم عنها مفر ولا مناص، ولا فكاك، ولا خلاص". (انتهى كلامه رحمه الله) ..