فهرس الكتاب
وأما ما ذكره أبو حامد من أن هذه الطريقة التي سلكها تفيد العلم الضروري بالنبوة دون طريقة المعجزات فالإنسان خبير بما حصل له من العلم الضروري وغيره وليس هو خبير بما حصل لغيره من ذلك وكثير من أهل النظر والكلام يقولون نقيض هذا يقولون لا يحصل العلم بالنبوة إلا بطريقة المعجزات دون غيرها كما قال ذلك أكثر أهل الكلام ومن اتبعهم كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وأبي المعالي والمازري وأمثال هؤلاء والتحقيق ما عليه أكثر الناس أن العلم بالنبوة يحصل بطرق متعددة المعجزات وغير المعجزات ويحصل له العلم الضروري بها كما ذكره أبو حامد بل يحصل له العلم الضروري بالنبوة على الجمل كما ذكره وعامة من حصر العلم بهذا أو غيره في طريق معينة وزعم أنه لا يحصل بغيرها فإنه يكون مخطئا وهذا كثير ما سلكه كثير من أهل الكلام في إثبات العلم بالصانع أو إثبات حدوث العالم أو إثبات التوحيد أو العلم بالنبوة أو غير ذلك يسلك أحدهم طريقا يزعم أنه لا يحصل العلم إلا به وقد يكون طريقا فاسدا وربما قدح خصوصه في طريقه الصحيحة وادعوا أنها فاسدة
وكثيرا ما يكون سبب العلم الحاصل في القلب غير الحجة الجدلية التي يناظر بها غيره فإن الإنسان يحصل له العلم بكثير من المعلومات بطريق وأسباب قد لا يستحضرها ولا يحصيها ولو استحضرها لا توافقه عبارته على بيانها ومع هذا فإذا طلب منه بيان الدليل الدال على ذلك قد لا يعلم دليلا يدل به غيره إذا لم يكن ذلك الغير شاركه في سبب العلم وقد لا يمكنه التعبير عن الدليل إن تصوره فالدليل الذي يعلم به المناظر شيء والحجة التي يحتج بها المناظر شيء آخر وكثيرا ما يتفقان كما يفترقان
وليس هذا موضع بسط ذلك وإنما المقصود التنبيه على تعدد طرق العلم بالنبوة وغيرها وكلام الناس في هذا الباب ونحوه على درجات متفاوتة فيحمد كلام الرجل بالنسبة إلى من دونه وإن كان مذموما بالنسبة إلى من فوقه