فهرس الكتاب
ما يعلم يمكن الخبر به والإنشاء يطابق الإرادة فإن الأمر إما محبوب يؤمر به أو مكروه ينهى عنه وأما ما ليس بمحبوب ولا مكروه فلا يؤمر به ولا ينهى عنه وإذا كان كذلك فالإنسان إذا كان متحريا للصدق عرف ذلك منه وإذا كان يكذب أحيانا لغرض من الأغرض لجلب ما يهواه أو دفع ما يبغضه أو غير ذلك فإن ذلك لا بد أن يعرف منه وهذا أمر جرت به العادات كما جرت بنظائره فلا تجد أحدا بين طائفة من الطوائف طالت مباشرتهم له إلا وهم يعرفونه هل يكذب أو لا يكذب
ولهذا كان من سنة القضاة إذا شهد عندهم من لا يعرفونه كان لهم أصحاب مسائل يسألون عنه جيرانه ومعامليه ونحوهم ممن له به خبرة فمن خبر شخصا خبرة باطنة فإنه يعلم من عادته علما يقينا أنه لا يكذب لا سيما في الأمور العظام ومن خبر عبد الله ابن عمر وسعيد بن المسيب وسفيان الثوري ومالك بن أنس وشعبة بن الحجاج ويحيى ابن سعيد القطان وأحمد بن حنبل وأضعاف أضعافهم حصل عنده علم ضروري من أعظم العلوم الضرورية أن الواحد من هؤلاء لا يتعمد الكذب على رسول الله ص - ومن تواترت عنه اخبارهم من أهل زماننا وغيرهم حصل له هذا العلم الضروري ولكن قد يجوز على أحدهم الغلط الذي يليق به ثم خبر الفاسق والكافر بل ومن عرف بالكذب قد تقترن به قرائن تفيد علما ضروريا أن المخبر صادق في ذلك الخبر فكيف ممن عرف منه الصدق في الأشياء فمن كان خبيرا بحال النبي ص - مثل زوجته خديجة وصديقه أبي بكر إذا أخبره النبي ص - بما رآه أو سمعه حصل له علم ضروري بأنه صادق في ذلك ليس هو كاذبا في ذلك ثم إن النبي لا بد أن يحصل له علم ضروري بأن ما أتاه صادق أو كاذب فيصير إخباره عما علمه بالضرورة كأخبار أهل التواتر عما علموه بالضرورة
وأيضا فالمتنبيء الكذاب كمسيلمة والعنسي ونحوهما يظهر لمخاطبه من كذبه في أثناء الأمور أعظم مما يظهر من كذب غيره فإنه إذا كان الإخبار عن