فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 201

ما يعلم يمكن الخبر به والإنشاء يطابق الإرادة فإن الأمر إما محبوب يؤمر به أو مكروه ينهى عنه وأما ما ليس بمحبوب ولا مكروه فلا يؤمر به ولا ينهى عنه وإذا كان كذلك فالإنسان إذا كان متحريا للصدق عرف ذلك منه وإذا كان يكذب أحيانا لغرض من الأغرض لجلب ما يهواه أو دفع ما يبغضه أو غير ذلك فإن ذلك لا بد أن يعرف منه وهذا أمر جرت به العادات كما جرت بنظائره فلا تجد أحدا بين طائفة من الطوائف طالت مباشرتهم له إلا وهم يعرفونه هل يكذب أو لا يكذب

ولهذا كان من سنة القضاة إذا شهد عندهم من لا يعرفونه كان لهم أصحاب مسائل يسألون عنه جيرانه ومعامليه ونحوهم ممن له به خبرة فمن خبر شخصا خبرة باطنة فإنه يعلم من عادته علما يقينا أنه لا يكذب لا سيما في الأمور العظام ومن خبر عبد الله ابن عمر وسعيد بن المسيب وسفيان الثوري ومالك بن أنس وشعبة بن الحجاج ويحيى ابن سعيد القطان وأحمد بن حنبل وأضعاف أضعافهم حصل عنده علم ضروري من أعظم العلوم الضرورية أن الواحد من هؤلاء لا يتعمد الكذب على رسول الله ص - ومن تواترت عنه اخبارهم من أهل زماننا وغيرهم حصل له هذا العلم الضروري ولكن قد يجوز على أحدهم الغلط الذي يليق به ثم خبر الفاسق والكافر بل ومن عرف بالكذب قد تقترن به قرائن تفيد علما ضروريا أن المخبر صادق في ذلك الخبر فكيف ممن عرف منه الصدق في الأشياء فمن كان خبيرا بحال النبي ص - مثل زوجته خديجة وصديقه أبي بكر إذا أخبره النبي ص - بما رآه أو سمعه حصل له علم ضروري بأنه صادق في ذلك ليس هو كاذبا في ذلك ثم إن النبي لا بد أن يحصل له علم ضروري بأن ما أتاه صادق أو كاذب فيصير إخباره عما علمه بالضرورة كأخبار أهل التواتر عما علموه بالضرورة

وأيضا فالمتنبيء الكذاب كمسيلمة والعنسي ونحوهما يظهر لمخاطبه من كذبه في أثناء الأمور أعظم مما يظهر من كذب غيره فإنه إذا كان الإخبار عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت